يقتضي ذلك أن لا يتمنوه في الدنيا والآخرة ، لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في النار بقوله : ' ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ' يعنون الموت ، فإذا كان حرف لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ذلك في الدنيا والآخرة ، فكيف به إذا لم يقرن به أبد ، وأيضا الجواب يجوز فيه الاستثناء ، بأن كان يقول : لن تراني في الدنيا ولن تراني إلا وقت كذا وكذا ، كما قال أخو يوسف عليه السلام : ' فلن أبرح الأرض ' ثم استثنى ' حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ' فصح أن حرف لن لا يحيل عليه جواز الرؤية ، وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون جوازها فصح ما قلناه .
والجواب الثاني : أن الله تعالى علق جوز الرؤية على أمر جائز ، ولو كانت مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد ، وهو استقرار الجبل ، فلما كان استقرار الجبل من الجائز دل على أن الرؤية جائزة . فإن قيل : أليس قد قال موسى عليه السلام : ' تبت إليك ' قالوا : والتوبة إنما تكون من الخطأ ، فلما عم عليه السلام أنه أخطأ تاب ، فالجواب من أوجه : أحدها : أن موسى عليه السلام لما رأى عظيم الآية من جعل الجبل دكا ، وصعوقه ، قال على جاري العادة من القول عند الفزع ' تبت إليك ' وإن لم يكن سؤاله مستحيلا ، وهذا كما أن الواحد منا إذا سمع الصوت الرعد العظيم ، أو رأى الظلمة العظيمة ، أو أمرا هائلا فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار ، وإن لم يكن منه قبل ذلك معصية . أو سؤال مستحيل .