إنما أراد بالقرآن ها هنا شيئا محترما يتصون عليه من الأيدي ، ولم يرد نفس كلام الله القديم ، والذي يدل على صحة ذلك : أن الحافظ للقرآن : القرآن في صدره عندنا حفظا ، لا أن كلام الله القديم يحل في صدر الحافظ حلول الجسم في الجسم ، وعندهم على حسب عقدهم أنه حال في صدور الحفاظ كحلول الشيء في الشيء ، ومع ذلك فإن الرسول ما نهى أحدا من الحفاظ أن يدخل بلاد العدو ، فلم يبق إلا أنه صلى الله عليه وسلم أراد مصاحف القرآن التي يتصور عليها نيل أيدي العدو ، ولم يرد أن القديم يحل في المخلوق حلول الجسم في الجسم حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم .
| فصل في ذلك أيضا
فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو جعل هذا القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق قالوا : وقد أطلق عليه صلى الله عليه وسلم أن القرآن يجعل في الإهاب ، فدل على أنه حال . فالجواب أن أهل العلم رضي الله عنهم ذكروا في ذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن هذا كان في زمانه صلى الله عليه وسلم دليلا على صدقه ، وكان معجزة له ، وكان إذا كتب في جلد أو رق أو غير ذلك ثم ألقى في النار لم يحترق . ذلك الجلد أو الرق ، فيكون معجزة له صلى الله عليه وسلم ؛ كانشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات ، ثم انقضى ذلك بعد موته : بدليل أن الرقق التي كتب فيها القرآن قد احترقت في زمن الصحابة وغيرهم . الثاني : أن قوله صلى الله عليه وسلم : لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقى في النار لم