تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحروف الخطوط ، حتى لا يفهم غيرهم ذلك إلا أن يتعلم لغتهم وخطوطهم ، فصح أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس دون غيره ، وإنما الغير دليل عليه بحكم التواضع والاصطلاح ويجوز أن يسمى كلاما إذ هو دليل على الكلام ، لا أنه نفس الكلام ، الحقيقي . وكذلك قد يدل على الكلام الحقيقي القائم بالنفس الرموز والإشارات ، وقد بين ذلك تعالى بقوله في قصة زكريا عليه السلام ' آيتك ألا تكلم الناس ثلاث أيام إلا رمزا ' يعني أن لا تفهم الكلام القائم بنفسك باللسان ، وإنما أفهمه بالرمز والإشارة ففعل كما أمره تعالى ، فأخبر عنه فقال : ' فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ' فأفهم أمره الذي هو الأمر بالتسبيح القائم في نفسه بالإشارة دون نطق اللسان ، وكذلك الأخرس الذي لا ينطق باللسان ولا يسمع الصوت ، إنما يفهمنا كلامه القائم بنفسه ، ونفهمه كلامنا القائم بأنفسنا بالإشارة دون نطق اللسان ، فحصل من هذه الجملة أن حقيقة الكلام على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقا ، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة دون الصوت ووجوده وتارة إشارة ورمزا دون الحرف والأصوات ووجودهما ، فحقيق الكلام القائم بالنفس موجود عند الحرف والصوت ، لكن الخلق كلامهم مخلوق كهم وكلام الله ليس بمخلوق كهو ، سبحانه وتعالى . ونريد بقولنا كهو أن صفات ذاته لا توصف بالخلق والحدث ولا بشيء من الخلق والحدث ، كما أنه تعالى لا يوصف بالخلق والحدث . ولا بشيء من صفات الخلق والحدث ، ولا نريد بقولنا كهو أنها خالقة رازقة . فافهم هذا التحقيق ، لأن المعتزلة تشنع وتقول : إذا كان الباري عالما بعلم ومتكلما بكلام والكل قديم يجب أن يكون معه قدماء كثيرة في

الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل بهص ١٥٩