تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجواب عن هذا السؤال مثل الجواب المتقدم ؛ لأن الذهاب والعدم إنما يكون في الحفظ والرسم ، دون المحفوظ الذي هو كلام الله تعالى . ويدل على هذا : أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قال : استكثروا من قراءة القرآن قبل أن يرفع . فقيل له : كيف يرفع وقد حفظناه في صدورنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟ . فقال : يسري عليه فيذهب حفظه من الصدور ، ورسمه من المصاحف . وهذا صحيح ، لأن حفظ المخلوق مخلوق مثله ، وحفظه مخلوق مثله ، فيتصور عليه الذهاب والعدم بالنسيان والمحو . وأما المحفوظ والمكتوب الذي هو كلامه القديم ، فلا يتصور عليه ذلك . فاعلم ذلك وتحققه .

فإن احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم قالوا : وما جاز أن ينتقل ويتحول ويسافر به فهو مخلوق . قلنا : كم هذا التمويه الذي تشبهون به على العوام وجهال الناس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا الكلام حمل المصحف الذي فيه كلام الله مكتوب ، ولم يرد بذلك نفس كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته ، وقد قرنه صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن المراد به المصحف دون غيره ؛ ألا تراه قال : مخافة أن تناله أيديهم ومعلوم أن الذي تناله أيديهم إنما هو المصحف دون غيره ، وقد بين عليه السلام ذلك في حديث آخر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر يريد بذلك الصحف التي يكتب فيها القرآن ، دون نفس القرآن الذي هو كلام اله تعالى ، لأنه

الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل بهص ١٢٥