ولا يصح أن يقال في مثل هذا بأنه من باب إعطاء بعض أفراد العام حكماً لا يخالف حكم العام. لما تقرر في علم الأصول من الفرق بين المجمل والعام، كما لا يصح أن يكون حكم المجمل الوارد في عموم الذهب والفضة دليلاً في تعميم حكم الرقة والدنانير على بقية أفراد اللفظ العام. لما يلزم على هذا من الدور، وصورته أنه أعطى أولاً جميع أفراد العام حكم العام، ثم أعطى ثانياً حكم بعض أفراد العام وهي الرقة والدنانير بقية أفراد العام، التي لم يرد في حقها هذا الحكم المبين فحصل الدور ولهذا لا يصح. والله أعلم.
الأمر الثالث:
إن إعطاء بعض أفراد العام حكماً يوافق حكم العام له حالتان:
الحالة الأولى: أن لا يكون للنص الخاص مفهوم يخالف نص العام، ففي هذه الحالة لا يعتبر الخاص مخصصاً للعام بل هو مؤكد لما ورد فيه فيكون للخاص مزية على بقية أفراد العام.
وهذا مثل قول الله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ﴾ الآية فإن الصلاة الوسطى يشملها الأمر بالمحافظة على الصلوات، ثم أكد الأمر بالمحافظة عليها بذكرها وحدها بعد ذكر اللفظ العام بحكم لا يخالف حكم العام. وليس له مفهوم مخالفة. وهذه الحالة تنطبق على ما ذكر في الاعتراض من مثال، لأن الأمر بإكرام العلماء لفظ عام، إما الأمر بإكرام زيد فليس مخصصاً له لأن ما ورد فيه من أمر ليس له مفهوم يخالف عموم الأمر الأول.
الحالة الثانية: إن يكون للنص الخاص مفهوم يخالف نص العام، ففي هذه الحالة، فإن مفهوم الخاص يعتبر مخصصاً للنص العام. مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) فإن لفظ الإبل عام يشمل السائمة والمعلوفة والعوامل.