فتبين مما تقدم أن الحديث رفعه خطأ، وأن الصواب وقفه على جابر.أ.هـ(1).
الجواب عن هذه العلة:
صحيح أن هذا الحديث روي موقوفاً ومرفوعاً، ولكن هذا لا يطعن فيه، لأن الاختلاف جاء على نوعين: أحدهما: علي جابر - رضي الله عنه - ، والثاني: علي أبي الزبير، ولكل نوع حكم يخصه، ولا يصح أن يؤثر أحدهما على الآخر خلافاً لما يفهم من كلام البيهقي ومن وافقه، وإليك البيان:
أولاً: إن الاختلاف علي جابر - رضي الله عنه - جاء موقوفاً من رواية عمرو ابن دينار والشعبي، وجاء مرفوعاً من رواية الليث عن أبي البير عن جابر، ويجب حمل هذا على أن جابراً فتى مرة، ورفع أخرى، فحدث كل بما سمع وهذا هو الموافق لمقتضى قواعد المحدثين، والأصوليين، وقد سبق نقل كلام ابن الجوزي في هذا (2) ، وقال السخاوي: أن الماوردي قد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي، والمسند على أنه روايته يعنى فلا تعارض حينئذ.
ونحوه قول الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث، ويرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكره مرة على سبيل الفتوى بدون رفع، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً.
لكن خص شيخنا (3) هذا بأحاديث الأحكام، أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر.أ.هـ(4).
قلت: يتعين المصير إلى هذا، وإلا فإنه يلزم رد كل رواية مرفوعة افتى الصحابي بمقتضاها بحجة ورود الحديث مرفوعاً وموقوفاً، هذا لا يصح أن يقو به أحد، خصوصاً إذا تعدد الرواة عن الصحابي.
(1) ارواء الغليل 3/295.
(2) انظر ص47.
(3) أي الحافظ بن حجر، وقد ذكر هذا في النكت على ابن الصلاح 2/610.
(4) فتح المغيث 1/168.