تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا ساكن القبر غداً

ما الذي غرك من الدنيا ؟ هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك ؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد ؟ وأين ثمرتك الحاضر ينعها ؟ وأين رقاق ثيابك ؟ وأين طيبك وأين بخورك ؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك ؟

أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً ، ويتلظى عطشاً ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته ، جاء الأمر من السماء ، وجاء غالب القدر والقضاء ، جاء من الأمر الأجل ما يمتنع من هيهات.

يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله ... يا مكفن الميت وحامله… يا مخليه في القبر وراجعاً عنه … ليت شعري كيف كنت على خشونة الثرى … ليت شعري بأي خديك يبدأ البلى … وأي عينيك سالت أولاً … يا مجاور الهلكات صرت في محل الموتى… ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني من رسالة ربى !

ثم انصرف فما بقى بعد ذلك إلا جمعة ثم مات ـ رحمه الله ـ .

أخي الحبيب

توهم نفسك حين استطار قلبك فرحاً وسروراً ، أو مُلِئ حزناً وعبرة ، وبفترة القبر وهول مطلعه وروعة الملكين وسؤالهما فيه عن إيمانك بربك ، فمتثبت من الله ـ جل ثناؤه ـ بالقول الثابت ، أو متحير شاك مخذول .

فتوهم أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إياك ؛ ليوقفاك علي مسائلتهما ، فتوهم جلستك في ضيق لحدك ، وقد سقطت أكفانك على جفويك ، فتوهم ذلك ، ثم شخوصك ببصرك إلى صورتهما وعظم أجسامهما ، فإنْ رأيتهما بحسن الصورة ، أيقن قلبك بالفوز والنجاة ، وإن رأيتهما بقبح الصورة أيقن قلبك بالهلاك والغضب.

فتوهم أصواتهما وكلامهما بنغماتها وسؤالهما ، ثم هو تثبيت الله إياك إنْ ثبتك أو تحييره إن خذلك.

أهوال القبر · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أهوال القبرص ٤٤