وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون : اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله عز وجل ، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتوا به باب الأرض فيقولون : ما أنتن هذه الريح ، حتى يأتوا به أرواح الكفار.(1)
قال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه : يا فلان لقد بت الليلة أتفكر في القبر وساكنه ، إنك لو رأيت الميت ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ، ولرأيت بيتاً تجول فيه الهوام ويجرى فيه الصديد ، وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلي الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب .
وعنه أيضا أنه ـ رحمه الله ـ شيع جنازة فلما انصرفوا تأخر هو وأصحابه ناحية عن الجنازة ، فقال له بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين جنازة أنت وليها تأخرت عنها وتركتها . فقال : نعم ناداني القبر من خلفي : يا عمر بن عبد العزيز ألا تسألني ما صنعت بالأحبة قلت : بلى . قال : أحرقت الأكفان، ومزقت الأبدان ، ومصصت الدم ، وأكلت اللحم .
قال :ألا تسألني ما صنعت بالأوصال . قلتُ : بلى !
قال : نزعت الكتفين من الذراعين ، والذراعين من العضدين ، والعضدين من الكتفين ، والوركين من الفخذين ، والفخذين من الركبتين ، والركبتين من الساقين ، والساقين من القدمين ، ثم بكى. ثم قال :
ألا إنَّ الدنيا بقاؤها قليل ، وعزيزها ذليل ، وغنيها فقير ، وشابها يهرم ، وحيها يموت ، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها ، فالمغرور من اغترَّ بها .
(1) أخرجه النسائي (1833) ك الجنائز ، باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه ، وابن حبان (733) ، والحاكم في المستدرك (1/352 , 353) وقال : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي .
والحديث صححه الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في الصحيحة (1309) ، وصحيح الجامع (490) .