فيكثر من ذكر هادم اللذات ، ومفرق الجماعات ، وميتم البنين والبنات.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعاهد قلوب أصحابه بتذكيرهم بالموت .
فعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ …" (1)
قال العلماء : تذكر الموت يردع عن المعاصي ، ويلين القلب القاسي ، ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب فيها ، إذ كفى بالموت واعظا وكفى به مفرقا ، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نُغِّص عليه لذته الحاضرة ، ومنعه من تمنيها في المستقبل ، وزهَّده فيما كان منها يؤمل ، إذ حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والتعلق بالدنيا من أشد ما تقسو به القلوب ، والنفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى بالغ الموعظة ونهاية السبل الموقظة ، وذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية ، والتوجه في كل لحظة إلى تلك الدار الباقية .
ولما كان طول الأمل السبب الرئيس في قسوة القلوب قال تعالى : " فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ " [الحديد/16] ، كان لذكر الموت أثره البالغ في قصر الأمل
واذكر الموت تجد راحة في إذكار الموت تقصير الأمل
كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة : الرحيل الرحيل ، فلما توفي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه فقيل : إنه قد مات فقال :
مازال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظا متشمرا ذا أهبة لم تلهه الآمال
الخامس : مشاهدة المحتضرين
وقد كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - زيارة المحتضرين .
(1) أخرجه الترمذي (2457) كتاب صفة القيامة ، وقال : حسن صحيح .