لكن ما بعد سنة ثلاثمائة للهجرة استغنى العلماء عن الكلام في حفظ الرواة وأراحوا أنفسهم ؛ لأن بعد ثلاثمائة للهجرة ضبطت الكتب ودونت السنة واكتملت ، فأصبحت كل الأحاديث التي تروى فيها بعد ثلاثمائة للهججرة عبارة عن كتب ، وأصح العلماء في هذا المجال محتاجين للكلام في عدالة الرواة في الدرجة الأولى ، وفي طريقة التحمل : هل يصح تحمل هذا الراوي لهذا الكتاب أم لا يصح؟
أما الحفظ فلم يعد معتبراً بعد سنة ثلاثمائة للهجرة ، فمثلاً تجد الواحد منهم يروي مسند الإمام أحمد ، فيقولون : هل سماعك لمسند الإمام أحمد سماع صحيح أملا ؟ أي هل أخذته عن الشيخ مباشرة أم لا ؟
وبعضهم قد يتساهل في السماع ، وهذا التساهل أحياناً يقدح في عدالته ؛ لذلك كانوا فيما بعد سنة ثلاثمائة للهجرة يطالبون بما يسمى بالأصول ، فإذا قال الواحد منهم : أنا عندي - مثلاً - كتاب مسند الإمام أحمد ، قالوا : أبرز لنا أصولك ، أي الأوراق التي كتبتها عن ذلك الشيخ ، فينظرون فيها هل هي أوراق قديمة أم جديدة ، هل هي أصولاً عتيقة أم أصول بخط حديث ، فإذا كان بخط حديث عرفوا أنه كذاب ، وإن كانت أصولاً عتيقة عرفوا أنه فعلاً سمع قديماً وهذا هو الذي قصده الذهبي في حده بين المقام والتأخير .
هناك مسألة أخرى وهي أن تقسيم المنهج إلى منهج متقدمين ومتأخرين لا يمكن بحال من الأحوال ؛ لأننا نجد في المتأخرين - لو سرنا على هذا المفهوم الذي يقول به هؤلاء الأخوة في المتأخرين - من هو يسير على منهج المتقدمين بحسب مفهومه ، مثل ابن عبد الهادي ومثل ابن كثير - رحمهما الله - ، ومثل المعلمي في العصر المتأخر جداً ، فهؤلاء في مفهومهم على منهج المتقدمين .