أخلصوا له العبادة وهو الدعاء، فهذه حال المشركين الأولين، وأما المشركون المتأخرون فهم كحالهم ولا فرق إذ المعنى هو المعنى، والعلة هي العلة، وإذا قيل: العلة هي العلة يعني: الحكم هو الحكم لا فرق، فكما أن أولئك صرفوا العبادة لغير الله فهم مشركون وقاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - واستباح دماءهم وأموالهم كذلك ما وقع فيه المتأخرون هو عين ما وقع فيه أولئك المشركون، فالحكم هو الحكم والعلة هي العلة، وإن شئت تقول: العلة هي العلة والحكم هو الحكم ولا فرق. ولذلك الشيخ الحفيد في ((التيسير)) ذكر شيئًا من حال أولئك المتأخرين وما وقع عندهم من الشرك لأن هذا الباب قلنا فيما سبق أنه يكشف لك حال كثيرًا من الذين تلبسوا بالشرك، ولا يمكن أن يفهم الطالب إلا إذا فهم واقع هؤلاء، يعني: الحكم على الشيء فرع عن تصوره فلا بد أن تعرف ما وقع فيه المتأخرون، وأما أن يُؤتى هكذا فيقال: هؤلاء وقعوا في الشرك ثم لا يكون فيه تفاصيل لما وقعوا ثم نقع هل هم معذورون بالجهل أو لا؟ الذي يُدرك ما وقعوا فيه من صرف العبادات لغير الله تعالى وكيف تعلقوا بهؤلاء الأولياء فيما زعموا لعلم أن هؤلاء لا يمكن أن يقال بأنهم يعذرون بجهل البتة، لماذا؟ لأن ما وقعوا فيه لا يختلف فيه اثنان أنه أشد شركًا مما وقع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك يقول رحمه الله تعالى: وأما عباد القبور اليوم فلا إله إلا الله، كم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك، وهذه أصل لا بد من النظر فيه والتأمل لأنه ينبني عليه مسائل، فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًّا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله، وأكثرهم قد اتخذ ذكر إلهه وشيخه ديدنه و .. #43.01 .... إن قام وإن قعد وإن عثر، هذا يقول: يا علي. وهذا يقول: يا عبد القادر. وهذا يقول: يا ابن عُلوان. وهذا يدعو البدوي، وهذا يدعوا العيدروس، وبالجملة ففي كل بلد في الغالب أناس يدعونهم ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل بلغ الأمر إلى أن سألوهم مغفرة الذنوب وترجيح الميزان ودخول الجنة والنجاة من النار والتثبيت عند الموت والسؤال وغير ذلك من أنواع المطالب التي لا تطلب إلا من الله تعالى، ما بَقِيَ شيء لله جل وعلا إذا كانت الجنة تُسأل أو تطلب من هؤلاء الأولياء فيما زعموا ما بقي شيء لله تعالى، وقد يُسألون ذلك من أناس يَدَّعون الولاية وينصبون أنفسهم لهذه الأمور وغيرها من أنواع النفع والضر التي هي خواص إلهية ويلفقون له من الأكاذيب في ذلك عجائب منها أنهم يَدَّعُون أنهم يخلصون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم من النار والعذاب، فيقول أحدهم: إنه يقف عند النار. يعني: هؤلاء الأولياء يقف عند النار فلا يدع أحدًا ممن يرتجيه ويدعوه يدخلها أو نحو هذا، وقد قال تعالى لسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19].
شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٦١٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح كتاب التوحيدص ٦١٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي