قوله: («إن أول ما خلق الله القلم»). قال فيه وجهان: الرفع، والنصب. فعلى الرفع المعنى أن أول ما خلق الله هو القلم، فالقلم أول مخلوق، وعلى النصب يكون المعنى أن الله عند أول خلقه للقلم أمره، يعني مفعول به، يعني خلقه ثم أمره، وهذا لا إشكال فيه، وأما على المعنى الأول حينئذٍ هل المراد به أول المخلوقات؟ قيل به، الصواب أنه ليس بأول المخلوقات، وتأويله أنه أول المخلوقات من هذا العالم حينئذٍ يكون أوليةً نسبية ليست مطلقةً.
قوله: («فقال له: اكتب»). («فقال له») من القائل؟ الله عز وجل، قال: لمن؟ للقلم، («اكتب») أمره، يأمره وهو جماد؟ نعم، يأمره وهو جماد، قلنا: الباري جل وعلا يأمر ما شاء من خلقه جمادًا أول ذا روحٍ، حينئذٍ يُخاطبه ويسمعه ويتكلم معه وتحصل بينهما محادثة .. إلى آخره، نقول: هذا واقع السماوات والأرض والنار .. إلى آخره، («فقال له: اكتب. فقال: رب وماذا أكتب»)؟ ما الذي أكتبه؟ ماذا أكتب؟ أَكتب ماذا؟ (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم، أليس كذلك؟ أكتب ماذا؟ أو (ما) استفهام وذا خبره إذا لم تلغى في الكلام (ما) ذا أكتب الضمير محذوف، ما الذي أكتبه العائد محذوف، واضح هذا؟ فيه وجهان.
(«فقال: رب وماذا أكتب»)؟ استفهم لأن الأمر صار مجملاً فاحتاج إلى استفسار، وهذا يُؤيد القاعدة التي نذكرها أن المجمل لا يُؤخذ منه حكم، هو سيمتثل لكن يكتب ماذا؟ فأراد أن يستفصل، أي ما الذي أكتبه، والعائد محذوف هنا عائد على الموصول ما الذي أكتب، («قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة») («مقادير كل شيء»)، إذًا فيه عموم («حتى تقوم الساعة») إذًا ما بعد قيام الساعة لم يكتب، له مفهوم أو لا؟ مغيَّ هنا («حتى تقوم الساعة»)، إذًا منذ أن خُلق القلم إلى قيام الساعة كل ذلك مكتوب، ما بعده لا، هذا يُدل على ماذا؟ على أن معلوم الله تعالى ليس كله مكتوبًا، أليس كذلك؟ معلوم الله تعالى معلوماته ليست كلها مكتوبة في اللوح، فإذا كان كذلك يدل النص على ذلك، («كل شيء») يعم ما يتعلق بفعل الله وبفعل المخلوقين، قال: («حتى تقوم الساعة»). القيامة، وهذا يُبين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه إنما أمره حينئذٍ أن يكتب مقدار هذا الخلق .. إلى قيام الساعة، فلم يكتب حينئذٍ ما يكون بعد ذلك ولا يقف معلومات الله تعالى عند هذا، بل معلوماته أكثر من ذلك.