تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذًا قوله: (﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾) يعني مؤثرًا يتأثر به نفوسهم، وهذا القول البليغ - والكلام لابن القيم رحمه الله تعالى -: وهذا القول البليغ تتضمن أو يتضمن ثلاثة أمور:

أحدها: عِظَمُ معناه، وتأثر النفوس به. إذا كان الكلام بليغًا يكون ماذا؟ المعنى عظيم، وليس المعنى متهافت وإنما يكون المعنى عظيمًا، والمعاني تختلف درجاتها كالألفاظ.

الثاني: فخامة ألفاظه وجزالتها. ليس كل لفظٍ.

الثالث: كيفية القائل في إلقائه إلى المخاطب. لا بد من ماذا؟ لا بد من مراعاة كيفية الإلقاء، فإن القول كالسهم، والقلب كالقوس الذي يدفعه وكالسيف، والقلب كالساعد الذي يُضرب به، القول البليغ لا بد أن يكون مشتملاً على هذه الأمور الثلاثة.

وفي متعلق قوله: (﴿فِي أَنفُسِهِمْ﴾)، (﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾)، (﴿فِي أَنفُسِهِمْ﴾) جار ومجرور يتعلق بماذا؟ فيه قولان:

أحدهما: بليغًا، قولاً بليغًا في أنفسهم، يعني يبلغ محله وتأثيره في أنفسهم، وهذا من حيث المعنى حسن، لكن من حيث الصنعة صنعة الإعراب ضعيف، لأن (﴿بَلِيغاً﴾) هذا صفة، والصفة لا تعمل فيما يتقدم على الموصوف، (﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً﴾)، (﴿قَوْلاً﴾) هذا موصوف، و (﴿بَلِيغاً﴾) صفته، وتقدم على الموصوف، والصفة لا تعمل فيما تقدم على الموصوف لكن من جهة المعنى حسن، أي قولاً بليغًا في أنفسهم، أي يبلغ في أنفسهم مبلغًا مؤثرًا، وهذا حسنٌ من جهة المعنى ضعيف من جهة الإعراب لأن صفة الموصوف لا تعمل فيما قبلها.

والقول الثاني: أنه متعلق بـ (قل)، وفي المعنى على هذا القول قولان:

أحدهما: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم بل مُسِرًّا لهم النصيحة، يعني ماذا؟ (﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ﴾) قل في أنفسهم بمعنى ماذا؟ انصحهم سرًّا بينك وبينه.

والثاني: أن معناه قل لهم في معنى أنفسهم، يعني في حق أنفسهم في شأن أنفسهم وحالهم كما يقال قل لفلان فيك كيت وكيت، أي في ذلك المعنى، أي (﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ﴾) أي في شأنهم وحالهم (﴿قَوْلاً بَلِيغاً﴾) في قلوبهم يُؤثر عليهم.

قوله: (الآيات) أي ما بعدها من الآيات، هذا المقطع الذي عناه المصنف رحمه الله تعالى واستوفاه في ((التيسير)) هذا المقطع تَأَمُّلُه وتَدَبُّرُه يُوضح لك المسألة إن كان ثَمَّ لبسٌ، وإلا ليس فيها لبسٌ مع معرفة القاعدة السابقة في معنى التوحيد والكفر بالطاغوت.

يُستفاد من الآية:

أولاً: وجوب التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والرضا بذلك والتسليم له، وهذا حكم قطعيٌّ، الوجوب هذا أظهر في الشرع وأقطع من وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج، أليس كذلك؟ قد لا يستشعره المؤمن المسلم لكن هذا الذي دل عليه الكتاب والسنة أن هذا الوجوب أقطع يعني أشد في الدلالة القطعية من دلالة النصوص على وجوب الصلوات الخمس، هذا يتعلق بركن من أركان التوحيد، فالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واجبٌ فرضٌ وهو قطعيٌّ الثبوت كما أنه قطعيّ الدلالة.

شرح كتاب التوحيد · الصفحة ١٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التوحيدص ١٥٦٢