الخوف وزيادة، الخوف المقرون بالمعرفة، حينئذٍ هذا وجه الاستدلال هنا بهذه الآية في باب ما جاء في الخوف (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾) واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية دون غيرها من الأعمال القلبية والظاهرة تنبيهًا بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده، يعني تنبيهًا بالأكبر على الأصغر، أو بالكل على الجزء، فالذي يعمر المسجد بما هو أعظم وهو الصلاة سيعمرها بما هو أقل من ذلك، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل، والعكس قد يكون وقد لا يكون، لكن الذي يعمر المسجد بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ويكون قلبه أفرد الباري جل وعلا بخشيته حينئذٍ هو الذي يمتثل ما هو دون ذلك، إذًا اقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيهًا بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده لأن كل ذلك من لوازم الإيمان، فلما نفى الله تعالى عمارة المساجد يعني المشركين إذ لا تنفعهم عمارتها مع الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: 23] أثبت الله تعالى في هذه الآية عمارة المساجد بالعبادة للمؤمنين بالله تعالى واليوم الآخر المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة الذين لا يخشون أحدً إلا الله، فأخلصوا لله الخشية أي المخافة والهيبة التي ينبني عليها أثاث العبادة، والتي هي مخ عبودية القلب، ولا تصلح إلا لله وحده جل وعلا.
قال ابن عطية قوله: (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾) وهو محل الشاهد هنا يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، يعني الخشية كما مر معنا أنها قد تكون عبادةً مرادفة للخوف، وقد تكون دون ذلك، فالمراد هنا خشية التعظيم والطاعة والانقياد والذل والخضوع لله عز وجل. قال: يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره، ويخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، يعني أن تكون هذه الخشية متعلقة بالباري جل وعلا من جهة ما يخافه على نفسه. ولهذا قال ابن عباس في الآية (﴿لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾) لم يعبد إلا الله، لأن الخشية تُورِث ماذا؟ لا بد أن يكون لها أثر، تُورِثُ أن العبد يقبل على طاعة ربه فيتعبد الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ابن عباس من فقهه قال: (﴿لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾) لم يعبد إلا الله، فإن الخوف كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله تعالى كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب، هذه الأعمال أعمالٌ جليلة، وجلها أو أكثرها من أفرض ما يكون على المسلم وعلى المكلَّف، وحينئذٍ الخوف عبودية القلب كالمحبة والإخلاص والتوكل على الله تعالى كلها من عبودية القلب.
وقوله: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18] حسمٌ لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مَرْجُوًا فقط فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيءٍ من تلك الصفات.