وأما من أجاز ذلك أكثر الحنابلة للأسف الشديد على هذا القول أنه يجوز ماذا؟ حل السحر بالسحر، وثَمَّ قولان لحاجةٍ وبعضهم قيده للضرورة، هذا أو ذاك قولان باطلان، ولا يجوز تقليد أحدٍ من أهل العلم في هذه المسألة البتة. وإنما نعتذر لهم بأنهم اخطأوا في فهم ما نُقِلَ عن ابن مسيب، أو لو كان ظاهره كما قلنا أنه يدل على جواز هذه المسألة نقول: تمسكوا بما ليس بحجةٍ، وللأسف الشديد مما ينبغي أن يتنبه له طالب العلم أنه في مقام التأصيل تأتي هذه العبارة أنه لا حجة لأحد في مقابلة ما جاء عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن أحد غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس بمعصوم باب تأصيل فقط، لكن إذا نزلنا إلى الساحة وإلى الميدان وجدت تخليط كبير جدًّا، مسائل شرعية يُحكى فيها اتفاق ويُحكى فيها إجماع ويُحكى فيها تحريم وتحليل .. إلى آخره مستندة إلى قول تابعيٍّ أو أتباع التابعين أو أحد من الأئمة الأربعة المعتبرين، حينئذٍ نقول: ليس أحد حجة البتة، إنما الحجة في النص والإجماع، ومن عداه حينئذٍ يحتج لهم ولا يحتج بهم في إثبات الأحكام الشرعية، يجب أن تكون هذه القاعدة عملية وليست نظرية فحسب، لأن من جوَّز هذه مَا قَال؟ قال ابن المسيب، قال الإمام أحمد، هل ابن المسيب هذا حجة؟ هل الإمام أحمد حجة؟ الجواب: لا، إذًا من جوَّز ذلك ليس له حجةٌ إلا أقوال تمسكوا بها من أقوال غير المعصومين، ولا يجوز لأحدٍ أن يحتج في إثبات حكمٍ شرعي بمن ليس بحجةٍ، وإنما الحجة النص والإجماع لا بأقوال أهل العلم، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، يحتج لها بالأدلة، يعني يستأنس بذكرها مع الأدلة الشرعية ولذلك أهل العلم جَرَوْا على أنه يذكر النص، ويذكر الحكم الشرعي، ثم نذكر قال فلان وقال فلان، ونجري على هذا. قال فلان وقال فلان لماذا؟ من باب الاستئناس لأننا نعتقد أننها فهمنا من النص كذا إذًا لسنا شاذّين في فهم النص، بل فهم فلان وفلان، لكن إذا خالف النص فيطرح قوله البتة.
ومما استدلوا به أيضًا غير قول ابن المسيب توقف الإمام أحمد في هذه المسألة، قالوا: توقف. سُئل الإمام أحمد فتوقف. قال الأثرم سمعت أبا عبد الله أحمد سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه، فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا. قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. قالوا: وجه الاستدلال فالإمام أحمد لم ينهَ عن إتيان مثل هؤلاء بل توقف في ذلك، ولو كان ذلك ممنوعًا عنده لصرح بالنهي عنه، واضح هذا؟ هذا وجه الاستدلال.
جوابه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم لما سُئل عنها ولم يتوقف، أليس كذلك؟ لم يتوقف، وعندكم على قولكم أن الإمام أحمد توقف فأيّ الحكمين تُقَدِّمُون؟
توقف الإمام أحمد، أم إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
سئل عن النُّشْرَة فقال: («هي من عمل الشيطان»). وعندكم هذا الحديث ثابت، ثم توقف الإمام أحمد تُقَدِّمُون توقف الإمام أحمد على قول النبي - صلى الله عليه وسلم -؟