ثم قال رحمه الله تعالى: وقضاء الله تعالى نافذ بما أخبره به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما سبق في علمه. يعني هذا سيقع، هذا الذي أراده النبي، هذا الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من إتباع سنن من كان قبلكنا حذو القذة بالقذة، ذراعًا بذراع شبرًا بشبرٍ سيقع، لكن ليس الحديث إخبارًا عن جميع الأمة لِمَا تواتر عنه أنها لا تجتمع على ضلالة، وسيأتي في الحديث الآخر، قالوا: (قالوا: يا رسول الله اليهودَ والنصارى)؟ يجوز فيه النصب على المفعولية بفعل محذوف أتعني اليهود والنصارى؟ وهذا محتمل، ويجوز الرفع على أنه خبرٌ لمحذوف أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سنتهم؟ اليهود والنصارى أتعني اليهود والنصارى؟ اليهودُ والنصارى أهم اليهود خبر المحذوف أهم اليهودُ والنصارى الذين نتبع سنتهم؟ وعلى التقديرين فهي جملة إنشائية سواء كانت ماذا؟ منصوبة أو مرفوعة فهي جملة إنشائية لأنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال والاستفهام هذا يعتبر أحد أنواع الإنشاء.
(قال: «فمن»)؟ هكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، اختصارًا (قال: «فمن»)؟ استفهام تقرير، أي فمن القوم إلا هم، ثم إنه فُسِّرَ هنا باليهود والنصارى، فسر في هذا النص باليهود والنصارى، وفي رواية أبي هريرة في البخاري: بفارس والروم. لماذا نوَّع؟ ذهب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: ولا تعارض بين اللفظين اليهود والنصارى فارس والروم، لا تعارض لاختلاف الجواب بحسب اختلاف المقام، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - تارةً قال اليهود والنصارى، ومرةً قال فارس والروم، لماذا؟ لاقتضاء المقام ما يناسبه، فحيث قيل فارس والروم كان ثَمَّ قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية، يعني كان الحديث عن ماذا؟ عن سياسة الرعية، (قال: «فمن»)، قال: من هم يا رسول الله؟ قال: «فارس والروم». لأن السياق أو القرينة الحالية تقتضي ماذا؟ أن يكون الحديث فيما يتعلق بالحكم والسياسة في الرعية، حينئذٍ قال: «فارس والروم». وحيث قيل اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات، أصولها وفروعها. قال في ((التيسير)) منتقدًا الحافظ: كذا قال ولا يلزم وجود قرينة. وهو كذلك لا يلزم وجود قرينة لأنه لم ينقل أولاً، بل الظاهر أنه أخبر أن هذه الأمة ستفعل ما فعلته الأمم قبلها وليس خاصًا باليهود والنصارى، بل قد يقع المشابهة لمن؟ لفارس فقد تقع المشابهة والمتابعة لمن؟ للروم، وقد يكون لليهود، قد يكون للنصارى، فكل أمة حينئذٍ نقول: قد يقع في هذه الأمة من يتشبه بها، فالظاهر أنه ليس ثَمَّ قرينة، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأمة ستفعل ما فعلته الأمم قبلها من الديانات والعادات والسياسات مطلقًا، والتفسير ببعض الأمم لا ينفي التمثيل بأمة أخرى، إذ المقصود التمثيل لا الحصر، وهو كذلك، هذا الذي يقتضيه النص.
مناسبة الحديث للباب - واضحة -: فالأمم قبلنا وُجِدَ فيها الشرك وكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع.
ويستفاد من الحديث: