إذ ليس في ملة من الملل المتقدمة من التحقيق ما عندهم ولا اجتمع لأحد قبلهم من العلوم مثل الذي اجتمع لهم
ذلك بأنهم آخر الأمم وكتابهم آخر الكتب وأفضلها ورسولهم آخر الرسل وأفضلهم ولسانهم أحكم الألسنة وأفصحها على ما يعرفه من تصفح شريعتهم وعرف لغتهم ونظر إليها بعين الإنصاف وترك طريق التعصب والإعتساف فالحمدلله على ما أولاه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق
ومما يبين للعاقل حسن شريعة الإسلام وجمال طريقتها إنها مبنية على مراعاة مصالح الدنيا والآخرة وإتمام مكارم الأخلاق الحسنة
أما بيان مصالح الآخرة فهو أن هذا الشرع يبين وجوهها ولم يغفل شيئا منها بل فسرها وأوضحها غاية الوضوح لئلا يجهل شيء منها فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها بخلاف الشرائع المتقدمة فإنها إنما كانت تتوعد على المخالفة بعقاب دنيوي كما فعل بنوا إسرائيل غير مرة وتوعد بثواب دنيوي ولم يبين لهم شيء مما بين لنا على ما يقتضيه نسق التوراة إذ ليس فيها ذكر جنة ولا نار إلا تنبيهات قليلة وكذلك الإنجيل ليس فيه شيء من ذلك إلا ما ذكرناه
ومع ذلك فإنه تعبدنا بعبادات محضة ذوات فعال وأركان كالصلاة والحج وغير ذلك وكل ركن من أركانها فالمقصود به تعظيم الله تعالى وخضوع له بالظاهر والباطن حتى تؤدي كل جارحة من الجوارح حظها من تعظيم الله تعالى مع ما ينضاف إلى ذلك من المعاني الشريفة والأدعية الرفيعة الفصيحة التي يعرف معانيها أهلها حسب ما فسروه في كتبهم وليس كما تقولون أنتم في صلاتكم
يا أبانا الذي في السماء