وهذا الذى قالوه هو الذى لا يقتضى المذهب وقواعد الفقه غيره، فإنهم قد قالوا: لو قال: لها أنت طالق، وقال: أردت إن قمت، دُين، ولم يقع به الطلاق، فهذا مثله سواء.
ونظير هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سيده المال، فقال: أنت حر، فبان أن المال الذى أعطاه مستحق، أو زيوف، لم يقع العتق، وإن كان قد صرح به. ذكره أصحاب أحمد والشافعى، لأنه إنما أعتقه بناء على سلامة العوض، ولم يسلم له، وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر.
فهذه الطريقة تخلص من كثير من الحنث.
وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيتها سلكت أحسن من طرق الحيل التى يتحيلون بها على عدم الحنث، وهى أنواع:
أحدها: التسريج.
الثانى: خلع اليمين.
الثالث: التحيل لفساد النكاح، إما بكون الولى كان قد فعل ما يفسق به، أو الشهود كانوا جلوساً على مقعد حرير، ونحو ذلك، فيكون النكاح باطلاً. فلا يقع فيه الطلاق.
الرابع: الاحتيال على فعل المحلوف عليه، بتغيير اسمه، أو صفته. أو نقله من مالك إلى مالك، ونحو ذلك.
فإذا غلبوا عن شئ من هذه الحيل الأربعة فزعوا إلى التيس المستعار، فاستأجروه ليسفد ويأخذ على سفاده أجرا.
فليوازن من يعلم أنه موقوف بين يدى الله تعالى ومسئول، بين هذه الطرق وتلك الطرق التى قبلها. وليقم لله ناظراً، ومناظراً متجرداً من العصبية والحمية، فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب، والله ولى التوفيق.
فصل
وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام:
﴿وَخُذْ بيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44].
فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر فى يمينه.
هذا قول أصحاب أبى حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد.
وقال الشافعى: إن علم أنها مسته كلها بر فى يمينه، وإن علم أنها لم تمسه لم يبر. وإن شك لم يحنث، ولو كان هذا موجباً لبر الحالف لسقط عن الزانى والقاذف والشارب تعدد الضرب، بأن يجمع له مائة سوط، أو ثمانين، ويضرب بها ضربة واحدة، وهذا إنما يجزئ فى حق المريض، كما قال الإمام أحمد فى المريض عليه الحد ((يضرب بعثكال يسقط عنه الحد)).