ونظيره: أن يحلف: لا يكلم فلاناً، ولا يعاشره. لكونه صبيا، فصار رجلاً، وكانت نيته وسبب يمينه لأجل صباه.
ونظيره: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار لأجل من يَظُن به التهمة لدخولها، فمات أو سافر، فدخلها، لم يحنث.
وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف: من حلف: لا دخلت دار فلان هذه، ولا كلمت عبده هذا. فباع العبد والدار.
ونظير هذا: أن يحلف لا يكلم فلانا، والحامل له على اليمين كونه تاركاً للصلاة، أو مرابياً أو خماراً، أو واليا، فتاب من ذلك كله، وزالت الصفة التى حلف لأجلها، لم يحنث بكلامه.
وكذلك إذا حلف: لا تزوجت فلانة. والحامل له على اليمين صفة فيها، مثل كونها بغياً أو غير ذلك، فزالت تلك الصفة لم يحنث بتزوجها.
كل هذا مراعاة للمقاصد التى الألفاظ دالة عليها. فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر. ولهذا لو حلف: ليقضينه حقه فى غد. وقصده، أو السبب: أن لا يجاوزه، فقضاه قبله لم يحنث. ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف فباعه بأكثر لم يحنث.
ولو حلف أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالى. والنية أو السبب: يقتضى التقييد مادام كذلك فعزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه.
وكذلك لو حلف على زوجته، أو عبده، أو أمته: أن لا تخرج إلا بإذنه، فطلق أو أعتق أو باع، لم يحنث بخروجهم بغير إذنه. لأن اقتضاء السبب والقصد التقييد فى غاية الظهور.
ونظائر ذلك كثيرة جداً. وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك وإن خالفوه فى كثير من المواضع.
وهذا هو الصواب، لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له، وتقيد اللفظ به. ولهذا لو دعى إلى غداء، فحلف لا يتغذى تقيدت يمينه بذلك الغداء وحده، لأن النية والسبب ومناط اليمين لا يقتضى غيره.
وقد أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ((أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) وما لم ينوه بيمينه، أو كان السبب لا يقتضيه، لا يجوز أن يلزم به، مع القطع بأنه لم يرده، ولا خطر على باله.
وقد أفتى غير واحد من الفقهاء، منهم ابن عقيل وشيخنا، وغيرهما: فيمن قيل له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك، أو قد زنت بفلان، فقال هى طالق، ثم تبين له أنها لم تخرج من البيت، وأن الذى رميت به فى بلد بعيد لا يمكن وصوله إليها، أو أنه حين رميت به كان ميتا، ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن، فإنه لا يقع عليه الطلاق، لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب، فهو كالشرط فى طلاقها.