تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل بأن عبد الرزاق ذكره فى باب يمين المكره، فحمله على الحلف بالطلاق مكرها، وهذا فاسد، فإن الحجة ليست فى الترجمة. وإنما الاعتبار بما يروى فى أثناء الترجمة، ولا سيما المتقدمين، كابن أبى شيبة، وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم، فإنهم يذكرون فى أثناء الترجمة آثاراً لا تطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوع تعلق، وهذا فى كتبهم - لمن تأمله - أكثر وأشهر من أن يخفى، وهو فى صحيح البخارى وغيره، وفى كتب الفقهاء وسائر المصنفين.

ثم لو فهم عبد الرزاق هذا، وأنه فى يمين المكره، لم تكن الحجة فى فهمه، بل الأخذ بروايته، وأى فائدة فى تخصيص الحلف بالطلاق بذلك؟ بل كل مكره حلف بأى يمين كانت، فيمينه ليست بشيء.

وأما عكرمة، فقال سنيد بن داود فى تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبى عن عاصم الأحول عن عكرمة: فى رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتى طالق، قال ((لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان)).

فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه، إلى أثر ابن عباس، فيمن قالت لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لى حر، إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس فى الحلف بتحريم الزوجة: أنها يمين يكفرها - تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه فى هذا الباب.

فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة فى الحلف بالتعليقات. كالحج، والصوم، والصدقة، والهدى، والمشى إلى مكة حافياً، ونحو ذلك: أنها أيمان مكفرة - تبين لك حقيقة ما كان عليه الصحابة فى ذلك.

فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذى يستوفى فيه حكم الأصل والفرع: تبين لك توافق القياس وهذه الآثار.

فإذا ارتفعت درجة أخرى، ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تبين لك الراجح من المرجوح.

ومع هذا كله فلا يدان لك بمقاومة السلطان، ومن يقول: حكمت وثبت عندى، فالله المستعان.

الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو فعل نفسه، أو على غير الزوجة، فيقول: إن قال لامرأته ((إن خرجت من الدار، أو كلمت رجلاً، أو فعلت كذا فأنت طالق)) فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك، وإن حلف على فعل نفسه، أو غير امرأته، وحنث لزمه الطلاق.

وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق، وهو أشهبُ بن عبد العزيز، ومحله من الفقه، والعلم غير خاف.

ومأخذُ هذا: أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها، لم يقع به الطلاق، معاقبة لها بنقيض قصدها، وهذا جار على أصول مالك وأحمد، ومن وافقهما فى معاقبة الفار من التوريث والزكاة، وقاتل مورثه، والموصى له، ومن دبَّره بنقيض قصده، وهذا هو الفقه، لا سيما وهو لم يرد طلاقها، إنما أراد حضها، أو منعها، وأن لا تتعرض لما يؤذيه، فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أداه؟ وهو لم يملكها ذلك بالتوكيل والخيار، ولا ملكها الله إياه بالفسخ،

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٣٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٣٨٤