[الرد على أقوال من يجيز الحيل]
وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر، أو ليقتلن هذا الرجل، أو نحو ذلك - كان فى الحيلة تخليصه من هذه المفسدة. ومن مفسدة وقوع الطلاق.
فيقال: نعم والله، قد شرع الله له ما يتخلص به، ولخلاصه طرق عديدة، فلا تتعين الحيلة التى هى خداع ومكر لتخليصه، بل هاهنا طرق عدة قد سلك كل طريق منها طائفة من الفقهاء من سلف الأمة وخلفها.
الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال، ولا يحنث فيها بشيء سواء كانت بصيغة الحلف، كقوله ((الطلاق يلزمنى لأفعلن)) أو بصيغة التعليق المقصود كقوله ((إن طلعت الشمس، أو إن حضت، أو إن جاء رأس الشهر، فأنت طالق)) أو التعليق المقصود به اليمين، من الحض والمنع، والتصديق والتكذيب، كقوله ((إن لم أفعل كذا، وإن فعلت كذا، فامرأتى طالق)) وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعى، الذين جالسوه، أو من هو من أجلهم: أبى عبد الرحمن. وهو أجل من أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعى، وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر.
فعندهم أن الطلاق لا يقبل التعليق كالنكاح، ولم يرد مخالفوا هؤلاء عليهم بحجة تشفى.
الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به، ولا العتق المحلوف به، ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث فيه، وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبى هريرة، وعائشة، وزينب بنت أم سلمة، وحفصة، فى الحلف بالعتق الذى هو قربه إلى الله تعالى، بل من أحب القرب إلى الله، ويسرى فى ملك الغير، فما يقول هؤلاء فى الحلف بالطلاق الذى هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، وأحب الأشياء إلى الشيطان؟. والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته. فقالوا لها كفرى عن يمينك، وخلى بين الرجل وبين امرأته.
وهؤلاء الصحابة أفقه فى دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة فى الحلف بالعتق ويرونه يمينا. ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا،. ويلزمون الحانث بوقوعه، فإنه لا يجد فقيه شم رائحة بين البابين والتعليقين فرقاً بوجه من الوجوه.
وإنما لم يأخذ به أحمد، لأنه لم يصلح عنده إلا من طريق سليمان التيمى، واعتقد أنه تفرد به. وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصارى، وأشعث الحمرانى، ولهذا لما ثبت عند أبى ثور قال به، وظن الإجماع فى الحلف بالطلاق على لزومه، فلم يقل به.
الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئاً، وهذا صحيح عن طاوس، وعكرمة.
أما طاوس فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئاً.