وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه فى قالب التوحيد، وقالوا: لو كان له سبحانه سمع وبصر، وقدرة، وحياة، وإرادة، وكلام يقوم به لم يكن واحداً وكان آلهة متعددة.
وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والعصيان فى قالب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى، وعدم إساءة الظن بعفوه، وقالوا: تجنب المعاصى والشهوات إزراء بعفو الله تعالى، وإساءة للظن به، ونسبة له إلى خلاف الجود والكرم والعفو.
وأخرجت الخوارج قتال الأئمة، والخروج عليهم بالسيف فى قالب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.
وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم فى قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع.
وأخرج المشركون شركهم فى قالب التعظيم لله، وأنه أجل من أن يتقرب إليه بغير وسائط وشفعاء، وآلهة تقربهم إليه.
فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه فى قالب حق.
والمقصود: أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل فى القوالب الشرعية، ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها.
فصل
وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع:
أحدها: الاحتيال لحل ما هو حرام فى الحال. كالحيل الربوية، وحيلة التحليل.
الثانى: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه، فهو صائر إلى التحريم ولا بد، كما إذا علق طلاقها بشرط محقق، تعليقاً يقع به، ثم أراد منع وقوع الطلاق عند الشرط فخالعها خلع الحيلة، حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك.
الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب فى الحال، كالاحتيال على إسقاط الإنفاق الواجب عليه، وأداء الدين الواجب، بأن يملك ماله لزوجته أو ولده، فيصير معسراً، فلا يجب عليه الإنفاق والأداء، وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد صومه، فيسافر ولا غرض له سوى الفطر، ونحو ذلك.
الرابع: الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب، لكنه صائر إلى الوجوب. فيحتال حتى يمنع الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة، بتمليكه ماله قبل مضى الحول لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك. وهذا النوع ضربان:
أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه، أو انعقاد سببه.
والثانى: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه. أو انعقاد سببه. كالاحتيال على إسقاط الشفعة التى شرعت دفعاً للضرر عن الشريك، قبل وجوبها أو بعده.
الخامس: الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة كما تقدم. وله صور كثيرة.
منها: أن يجحده دينه، كما جحده.