والرواية الثانية: لا تصح إلا على النقدين، لأنهما إذا تفاسخا الشركة، وأراد كل منهما الرجوع إلى رأس ماله، و يقتسما الربح، لم يعلم ما مقدار رأس مال كل منهما إلا بالتقويم، وقد تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل، فلا يستقر رأس المال.
وأيضاً فمقتضى عقد الشركة: أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر، وهذه الشركة تفضى إلى ذلك، لأنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما، ولا تزيد قيمة عرض الآخر، فيشاركه من لم تزد قيمة عروضه. وهذا إنما يصح فى المقومات كالرقيق، والحيوان، ونحوهما. فأما المثليات، فإن ذلك منتف فيها، ولهذا كان الصحيح عند من منع الشركة بالعروض: جوازها بالمثليات. فالصحيح: الجواز فى الموضعين. لأن مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين، وكل من الشريكين متردد بين الربح والخسران، فهما فى هذا الجواز مستويان. فتجويز ربح أحدهما دون الآخر فى مقابلة عكسه، فقد استويا فى رجاء الغنم وخوف الغرم، وهذا هو العدل، كالمضاربة، فإنه يجوز أن يربحاً، وأن يخسراً، وكذلك المساقاة والمزارعة.
وطريق الحيلة فى تصحيح هذه المشاركة، عند من لا يجوزها بالعروض: أن يبيع كل منهما بعض عروضه ببعض عروض صاحبه، فإذا كان عَرضَ أحدهما يساوى خمسة آلاف، وعرض الآخر يساوى ألفا، فيشترى صاحب العرض الذى قيمته خمسة آلاف من صاحبه خمسة أسداس عرضه الذى يساوى ألفا بسدس عرضه الذى يساوى خمسة آلاف، فإذا فعلا ذلك صارا شريكين، فتصير للذى يساوى متاعه ألفا سدس جميع المتاع. وللآخر خمسة أسداسه. أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى، ثم يتقابضان فيصير مشتركاً بينهما، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه فى التصرف، فما حصل من الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد، وعلى قدر رءوس أموالهما عند الشافعى، والخسران على قدر المال اتفاقاً.
المثال الثلاثون: إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فالنكاح صحيح. والشرط لازم. هذا إجماع الصحابة رضى الله عنهم، فإنه صح عن عمر، وسعد، ومعاوية، ولا مخالف لهم من الصحابة. وإليه ذهب عامة التابعين وقال به أحمد.
وخالف فى ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط ولم يوجبوا الوفاء به.
فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك، ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ذلك ولزومه، فالحيلة لها فى حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن، إلا أن تشترط بعد العقد أنه إن سافر بها، أو نقلها من دارها، أو تزوج عليها فهى طالق، أو لها الخيار فى المقام معه، أو الفسخ. فإن لم تثق به أن يفعل ذلك، فإنها تطلب مهراً كثيراً جداً، إن لم يفعل، وتطلب ما دونه إن فعل، فإن شرط لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى، وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى، وجعلته حالاً، ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه، أو يشرط لها ما سألته.
فإن قيل: فعلى أى المهرين يقع العقد؟
قيل: يقع على المهر الزائد، لتتمكن من إلزامه بالشرط.