إمَامِهِ خَاصَّةً وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ زُهَاءَ أَرْبَعِينَ دَلِيلًا , وَصَارَ إلَى رَبِّهِ , وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهَا , دَاعٍ إلَيْهَا , مُبَاهِلٌ لِمُنَازِعِيهِ , بَاذِلٌ نَفْسَهُ وَعِرْضَهُ , وَأَوْقَاتَهُ لِمُسْتَفْتِيهِ ; فَكَانَ يُفْتِي فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ فِيهَا بِقَلَمِهِ وَلِسَانِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ فُتْيَا ; فَعُطِّلَتْ لِفَتَاوَاهُ مَصَانِعُ التَّحْلِيلِ , وَهُدِّمَتْ صَوَامِعُهُ وَبِيَعُهُ , وَكَسَدَتْ سُوقُهُ , وَتَقَشَّعَتْ سَحَائِبُ اللَّعْنَةِ عَلَى الْمُحَلِّلِينَ وَالْمُحَلَّلِ لَهُمْ مِنْ الْمُطَلِّقِينَ , وَقَامَتْ سُوقُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ , وَانْتَشَرَتْ مَذَاهِبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِلطَّالِبِينَ , وَخَرَجَ مِنْ حَبْسِ تَقْلِيدِ الْمَذْهَبِ الْمُعَيَّنِ بِهِ مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مِنْ الْمُسْتَبْصِرِينَ , فَقَامَتْ قِيَامَةُ أَعْدَائِهِ وَحُسَّادِهِ وَمَنْ لَا يَتَجَاوَزُ ذِكْرِ أَكْثَرِهِمْ بَابَ دَارِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ , وَهَجَّنُوا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الْمُسْتَجِيبِينَ لَهُمْ غَايَةَ التَّهْجِينِ , فَمَنْ اسْتَخَفُّوهُ مِنْ الطَّغَامِ , وَأَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ قَالُوا: هَذَا قَدْ رَفَعَ الطَّلَاقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , وَكَثُرَ أَوْلَادُ الزِّنَا فِي الْعَالَمِينَ , وَمَنْ صَادَفُوا عِنْدَهُ مَسْكَةَ عَقْلٍ وَلُبٍّ قَالُوا: هَذَا قَدْ أَبْطَلَ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ , وَقَالُوا لِمَنْ تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ: هَذَا قَدْ حَلَّ بَيْعَةَ السُّلْطَانِ مِنْ أَعْنَاقِ الْحَالِفِينَ , وَنَسُوا أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ حَلُّوهَا بِخُلْعِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا هُوَ فَصَرَّحَ فِي كُتُبِهِ أَنَّ أَيْمَانَ الْحَالِفِينَ لَا تُغَيِّرُ شَرَائِعَ الدِّينِ , فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ حَلَّ بَيْعَةِ السُّلْطَانِ بِفَتْوَى أَحَدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ , وَمَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى شَرِيعَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ , وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ مُنِيَ مِنْ هَذَا بِمَا مُنِيَ بِهِ مَنْ سَلَفَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَرْضِيِّينَ , فَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ لِلنَّاظِرِينَ , فَهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ تَوَصَّلَ أَعْدَاؤُهُ إلَى ضَرْبِهِ بِأَنْ قَالُوا لِلسُّلْطَانِ: إنَّهُ يَحِلُّ عَلَيْك أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ بِفَتْوَاهُ أَنَّ يَمِينَ الْمُكْرَهِ لَا تَنْعَقِدُ , وَهُمْ يَحْلِفُونَ مُكْرَهِينَ غَيْرَ طَائِعِينَ , فَمَنَعَهُ السُّلْطَانُ , فَلَمْ يَمْتَنِعْ لَمَّا أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ الْمِيثَاقِ عَلَى مَنْ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلْمُسْتَرْشِدَيْنِ , ثُمَّ تَلَاهُ عَلَى أَثَرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فَوَشَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ إلَى الرَّشِيدِ أَنَّهُ يُحِلُّ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ بِفَتْوَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا تَنْعَقِدُ وَلَا تَطْلُقُ إنْ تَزَوَّجَهَا الْحَالِفُ , وَكَانُوا يُحَلِّفُونَهُمْ فِي جُمْلَةِ الْأَيْمَانِ " وَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ " وَتَلَاهُمَا عَلَى آثَارِهِمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَقَالَ حُسَّادُهُ: هَذَا يَنْقُضُ عَلَيْكُمْ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ , فَمَا فَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ , وَلَا ثَنَى عَزَمَاتِهِمْ فِي اللَّهِ وَهَمَّهُمْ , وَلَا صَدَّهُمْ ذَلِكَ عَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اعْتِقَادَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي أَدَّاهُمْ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ , بَلْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ , وَصَارَتْ أَقْوَالُهُمْ أَعْلَامًا يَهْتَدِي بِهَا الْمُهْتَدُونَ , تَحْقِيقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فَصْلٌ: [الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَفْتَوْا بِذَلِكَ] وَمَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ وَخِبْرَةٌ وَعِنَايَةٌ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ مَنْ يُفْتِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ , وَإِلَى الْآنِ. فَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا فَتَاوَاهُمْ فِي الْحَالِفِ بِالْعِتْقِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ , وَأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْلَى مِنْهُ , وَذَكَرْنَا فَتْوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِعَدَمِ لُزُومِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ , وَأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَذَكَرْنَا فَتْوَى طَاوُسٍ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْهُ , وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ , وَأَفْتَى عِكْرِمَةُ , وَهُوَ مِنْ أَغْزَرِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِلْمًا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ طَاوُسٌ سَوَاءٌ قَالَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُد فِي تَفْسِيرِهِ الْمَشْهُورِ فِي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٣٠٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سد الذرائع وتحريم الحيلص ٣٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي