ذَلِكَ إلَى الْوَارِثِ. وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحِيَلِ , وَأَمْثَالِهَا أَمْرَانِ مَخُوفَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ فَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ , وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ قَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ , وَلَا يُسَلِّمُهُ إلَى الْوَارِثِ , فَلَا خَلَاصَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ أَنْ يَاخُذَ إقْرَارَ الْأَجْنَبِيِّ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فِي مَكْتُوبٍ ثَانٍ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يُوَاطِئَهُ عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَارِثِهِ هَذَا الْمَالَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً. وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَهِيَ بَيِّنَةُ زُورٍ , وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ , وَلَا وَارِثَهُ بِوَجْهٍ مَا , وَيُمْسِكَ الْكِتَابَ عِنْدَهُ , فَيَامَنُ هُوَ وَالْوَارِثُ ادِّعَاءَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ وَتَوَارِي الْمَدِينِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ بَعْدَ الْمِائَةِ: رَجُلٌ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ , وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ , فَيُوَكِّلُ وَكِيلًا فِي اقْتِضَاءِ دُيُونِهِ , ثُمَّ يَتَوَارَى عَنْ غَرِيمِهِ , فَلَا يُمْكِنُهُ اقْتِضَاءُ دَيْنِهِ مِنْهُ , فَأَرَادَ الْغَرِيمُ مِمَّنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ حِيلَةً يَقْتَضِي بِهَا دَيْنَهُ مِنْهُ , وَلَا يَضُرُّهُ تَوَارِي مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. فَالْحِيلَةُ أَنْ يَاتِيَ هَذَا الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَقُولَ لَهُ: وَكَّلْتُك بِقَبْضِ مَالِي عَلَى فُلَانٍ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ , وَوَكَّلْتُك أَنْ تَجْعَلَ مَالَهُ عَلَيْك قِصَاصًا بِمَالِي عَلَيْهِ , وَأَجَزْت أَمْرَك فِي ذَلِكَ , وَمَا عَمِلْت فِيهِ مِنْ شَيْءٍ , فَيَقْبَلُ الْوَكِيلُ , وَيُشْهِدَ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شُهُودًا , ثُمَّ يُشْهِدُهُمْ الْوَكِيلُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ الَّتِي لِفُلَانٍ عَلَيْهِ قِصَاصًا بِالْأَلْفِ الَّتِي لِمُوَكِّلِهِ عَلَى فُلَانٍ , فَيَصِيرُ الْأَلْفُ قِصَاصًا , وَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُتَوَارِي عَلَى هَذَا الْوَكِيلِ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَكَّلَهُ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ جَائِزَةٌ ; لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَ الْوَكِيلَ مَقَامَ نَفْسِهِ , وَالْوَكِيلُ يَقُولُ: مُطَالَبَتِي لَك بِهَذَا الدَّيْنِ كَمُطَالَبَةِ مُوَكَّلِي بِهِ , فَأَنَا أُطَالِبُك بِأَلْفٍ , وَأَنْتَ تُطَالِبُنِي بِهِ , فَاجْعَلْ الْأَلْفَ الَّذِي تُطَالِبُنِي بِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَلْفِ الَّذِي أُطَالِبُك بِهِ , وَلَوْ كَانَتْ الْأَلْفُ لِي لَحَصَلَتْ الْمُقَاصَّةُ , إذْ لَا مَعْنَى لِقَبْضِك لِلْأَلْفِ مِنِّي أَمْ أَدَائِهَا إلَيَّ , وَهَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا إذَا طَالَبْتُك بِهَا لِمُوَكِّلِي ; أَنَا أَسْتَحِقُّ عَلَيْك أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ الْأَلْفَ , وَأَنْتَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ أَنْ أَدْفَعَ إلَيْك أَلْفًا , فَنَتَقَاصُّ فِي الْأَلْفَيْنِ.
[إثْبَاتُ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ] الْمِثَالُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ , فَغَابَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ , فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُثْبِتَ مَالَهُ عَلَيْهِ , حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ , وَهُوَ غَائِبٌ , فَلْيَرْفَعْهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ , فَإِنْ كَانَ حَكَمُ الْبَلَدِ لَا يَرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَجِيءَ رَجُلٌ فَيَضْمَنَ لِهَذَا الَّذِي لَهُ الْمَالُ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى الرَّجُلِ الْغَائِبِ , وَيُسَمِّيَهُ وَيَنْسُبَهُ , وَلَا يَذْكُرَ مَبْلَغَ الْمَالِ , بَلْ يَقُولُ: ضَمِنْت لَهُ جَمِيعَ مَا صَحَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ , وَيُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ يُقَدِّمَهُ إلَى الْقَاضِي , فَيُقِرُّ الضَّامِنُ بِالضَّمَانِ , وَيَقُولُ: لَا أَعْرِفُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ شَيْئًا. فَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْمَضْمُونَ لَهُ: هَلْ لَك بَيِّنَةٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ , فَيَامُرُهُ بِإِقَامَتِهَا , فَإِذَا شَهِدَتْ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ , وَحَكَمَ عَلَى الضَّمِينِ بِالْمَالِ , وَيَجْعَلُهُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ , وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى الضَّامِنِ بِثُبُوتِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَى الْغَائِبِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالثُّبُوتِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ , وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ , وَثُبُوتُ الْفَرْعِ بِدُونِ أَصْلِهِ مُمْتَنِعٌ , وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ , حَيْثُ يُجَوِّزُونَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ إذَا اتَّصَلَ الْقَضَاءُ بِحَاضِرٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ كَوَكِيلِ الْغَائِبِ , وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَائِبٍ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ فَإِنَّهُ