تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ فَإِنَّ فِيهِ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ , قَالَ: وَأَمَّا مَا بَاعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ لِلِانْفِصَالِ مِنْ شَرِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَمُلْتَحَقٌ بِبَيْعِ الرَّجُلِ مَالَ نَفْسِهِ بِالْبَرَاءَةِ , وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ فِي وَلَايَتِهِ. قُلْت: وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ: " إنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِحُكْمٍ " مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ , وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عَقَدَ بِنَفْسِهِ عَقْدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِهِ بِهِ [فَيَسُوغُ تَنْفِيذُهُ , وَلَا يَسُوغُ رَدُّهُ أَوْ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِهِ] فَيَسُوغُ لِحَاكِمٍ آخَرَ خِلَافُهُ؟ وَفِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ , وَهُمَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ , فَهَذَا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ يُصَحِّحُ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ , وَلَا يُمَكِّنُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ الْعَامَّةِ , سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ , حَيَوَانًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ غَيْرَهُ , وَتَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى , فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ أَشَارَ إلَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ بَاعَتْ عَبْدًا زِنْجِيًّا عَلَى ذَكَرِهِ عَيْبٌ أَفَتَضَعُ أُصْبُعَهَا عَلَى ذَكَرِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ; إحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إلَّا مِنْ عَيْبٍ عَيَّنَهُ وَعَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ , وَلَا يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَلِمَهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ فَلَا إشْكَالَ , وَإِنْ أَبْطَلْنَا الشَّرْطَ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ , وَيَثْبُتُ الرَّدُّ فِيهِ؟ وَجْهَانِ , فَإِذَا أَثْبَتْنَا الرَّدَّ وَأَبْطَلْنَا الشَّرْطَ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِالتَّفَاوُتِ الَّذِي نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ; فَإِنَّهُ إنَّمَا بَاعَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعَيْبٍ , وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا لَمْ يَبِعْهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ ; فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالتَّفَاوُتِ , وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ وَقِيَاسُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ كَمَا يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ عِنْدَ فَوَاتِ غَرَضِهِ مِنْ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ فَهَكَذَا الْبَائِعُ يَرْجِعُ بِالتَّفَاوُتِ عِنْدَ فَوَاتِ غَرَضِهِ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي أَبْطَلْنَاهُ عَلَيْهِ.

[بَحْثٌ فِي النُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ] وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ بَاعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ , فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا , فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ , فَلَمْ يَقْبَلْهُ , فَتَرَافَعَا إلَى عُثْمَانَ , فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ: تَحْلِفُ أَنَّك لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ , فَقَالَ: لَا , فَرَدَّهُ عَلَيْهِ , فَبَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ , ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ , وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ , وَاتِّفَاقٌ مِنْ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ , وَعَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَتَى نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ , وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي , لَكِنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا بِمَعْرِفَةِ الْحَالِ , فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِصُورَةِ الْحَالِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ , وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عِلْمُهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ; فَمِثَالُ الْأَوَّلِ قَضِيَّةُ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ , فَإِنَّهُ هُوَ الْعَالِمُ بِأَنَّهُ هَلْ كَانَ يَعْلَمُ الْعَيْبَ أَوْ لَا يَعْلَمُهُ , بِخِلَافِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ عِلْمَ ابْنِ عُمَرَ بِذَلِكَ , وَلَا عَدَمَ عِلْمِهِ , فَلَا يُشْرَعُ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ. وَمِثَالُ الثَّانِي: إذَا ادَّعَى عَلَى وَارِثِ مَيِّتٍ أَنَّهُ أَقْرَضَ مُورِثَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً وَلَمْ يُقْبِضْهُ ثَمَنَهَا أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَالْوَارِثُ غَائِبٌ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ , وَسَأَلَ إحْلَافَهُ , فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ , لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ,

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٣٧