: " أَبْرَاتنِي مِنْ كُلِّ دَعْوَى تُوجِبُ الرَّدَّ " وَلَا يَبِيعُهَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يُسْقِطُ الرَّدَّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ , وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ; أَحَدُهَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ , وَالثَّانِي: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَفَسَادُ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ , وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ وَأَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ. وَهَلْ يَعُمُّ ذَلِكَ جَمِيعَ الْمَبِيعَاتِ أَوْ يَخُصُّ بَعْضَهَا؟ فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَبِيعَاتِ عَرْضًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ حَيَوَانًا. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمَبِيعَاتِ. وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي تَعْيِينِهِ فَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْحَيَوَانِ نَاطِقًا كَانَ أَوْ بَهِيمًا. وَاَلَّذِي فِي التَّهْذِيبِ اخْتِصَاصُهُ بِنَاطِقِ الْحَيَوَانِ. قَالُوا: وَعَلَى [هَذَا] الْمَذْهَبِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا , فَبَيْعُ السُّلْطَانِ وَبَيْعُ الْمِيرَاثِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مِيرَاثٌ جَارٍ مَجْرَى بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ , وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قَالَ: أَبِيعُكَ بَيْعَ الْمِيرَاثِ لَا قِيَامَ بِعَيْبٍ صَحَّ ذَلِكَ وَيَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ ; وَفِي الْمِيرَاثِ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ. قَالُوا: وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ فَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهَا [فِي] امْتِنَاعِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ ; وَأَمَّا مَا عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ فَإِنَّ شَرْطَ الْبَرَاءَةِ لَا يَمْنَعُ رَدَّ الْمُشْتَرِي بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ ; فَإِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي عِلْمَ الْبَائِعِ فَأَقَرَّ أَوْ نَكَلَ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ تَوَجَّهَ الرَّدُّ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَلَوْ مَلَكَ شَيْئًا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَعْمِلَهُ وَيَسْتَبْرِئَهُ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ. قَالَ فِي التَّهْذِيبِ فِي: التُّجَّارُ يَقْدَمُونَ بِالرَّقِيقِ فَيَبِيعُونَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَلَمْ تَطُلْ إقَامَةُ الرَّقِيقِ عِنْدَهُمْ: هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَذْهَبُوا بِأَمْوَالِ النَّاسِ بَاطِلًا , لَا تَنْفَعُهُمْ الْبَرَاءَةُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُ: لَا يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ , وَلَا طُولُ مُقَامِهِ عِنْدَهُ , بَلْ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ كَمَا تَنْفَعُهُ مَعَ الطُّولِ وَالِاسْتِعْمَالِ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي جُمْلَةِ عُيُوبٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً , وَتَبَرَّأَ مِنْهَا كُلِّهَا , لَمْ يَبْرَا مِنْهُ حَتَّى يُفْرِدَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَيُعَيِّنَ مَوْضِعَهُ وَجِنْسَهُ وَمِقْدَارَهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْمُبْتَاعِ فِيهِ قَوْلٌ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَاهُ الْعَيْبَ وَشَاهَدَهُ لَمْ يَبْرَا مِنْهُ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِحَاطَةَ بِبَاطِنِهِ وَبَاطِنُهُ فِيهِ فَسَادٌ آخَرُ كَمَا إذَا أَرَاهُ دَبَرَةَ الْبَعِيرِ وَشَاهَدَهَا وَهِيَ مُنْغِلَةٌ مُفْسِدَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا فِيهَا مِنْ نَغَلٍ وَغَيْرِهِ , وَنَظَائِرُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّ بِهِ إبَاقًا أَوْ سَرِقَةً وَهُوَ إبَاقٌ بِعَبْدٍ أَوْ سَرِقَةٌ عَظِيمَةٌ وَالْمُشْتَرِي يَظُنُّهُ يَسِيرًا لَمْ يَبْرَا حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ , قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ عَلَى الْمُفْلِسِ أَوْ لِقَضَاءِ دُيُونٍ مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ بَيْعُ بَرَاءَةٍ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا , قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِالْمَبِيعِ وَبَيْعُ الْبَرَاءَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ , فَإِذَا حَكَمَ السُّلْطَانُ بِأَحَدِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ لَمْ تُرَدَّ قَضِيَّتُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَ رَايِهِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ , وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ , وَقَالُوا: السُّلْطَانُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْبَيْعِ إلَى خِلَافٍ وَلَا وِفَاقٍ , وَلَا قَصَدَ إلَى حُكْمٍ بِهِ يَرْفَعُ النِّزَاعَ , وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الشُّيُوخِ الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَلَوْ تَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ بِنَفْسِهِ , قَالَ: وَذَلِكَ ; لِأَنَّ سَحْنُونًا قَالَ: وَكَانَ قَوْلُ مَالِكٍ الْقَدِيمُ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ الْوَارِثِ لَا قِيَامَ فِيهِ بِعَيْبٍ وَلَا بِعُهْدَةٍ , قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ خِلَافَ هَذَا , قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: إذَا بِيعَ عَبْدٌ عَلَى مُفْلِسٍ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ , قَالَ: فَالصَّوَابُ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ الْوَرَثَةِ كَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَمَّا بَيْعُ الْوَرَثَةِ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ
سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٣٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٣٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي