الْوَفَاءِ أَوْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَفَاءِ , فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْعَجْزِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حِيلَةٌ غَيْرُ الصَّبْرِ.
[حِيلَةٌ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ] الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا هِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْيَدِ , فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ ; فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ; فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَدْ تَعَارَضَتَا , وَسَلِمَتْ الْيَدُ عَنْ مُعَارِضٍ , وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ: بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوَّلُ ; لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ فَإِنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى ظَاهِرِ الْيَدِ , وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ تَسْتَنِدُ أَيْضًا إلَى سَبَبٍ خَفِيٍّ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَتَكُونُ أَوْلَى , فَالْحِيلَةُ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَنْ يَدَّعِيَ الْخَارِجُ أَنَّهُ فِي يَدِ الدَّاخِلِ غَصْبًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ , ثُمَّ تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَفْقِ مَا ادَّعَاهُ , فَحِينَئِذٍ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ.
[حِيلَةٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ لَدْغِ الْمُخَادِعِ] الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْحِيلَةُ الْمُخَلِّصَةُ مِنْ لَدْغِ الْعَقَارِبِ , وَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى الْمَاكِرُ الْمُخَادِعُ مِنْ رَجُلٍ دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ سِلْعَةً , وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ , ثُمَّ مَضَى إلَى الْبَيْتِ أَوْ الْحَانُوتِ لِيَاتِيَهُ بِالثَّمَنِ , فَأَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ , فَلَا يَصِلُ الْبَائِعُ إلَى أَخْذِ الثَّمَنِ , فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَوْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْبَيْعِ مَعَهُ إلَيْهِ لِيَثْبُتَ لَهُ التَّبَايُعَ , ثُمَّ يَسْأَلَهُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ , وَيَقِفَهُ حَتَّى يُسْلِمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ ; لِئَلَّا يَتْلَفَ مَالُهُ أَوْ يَتَبَرَّعَ بِهِ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ. وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إذَا خَشِيَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى حَقِّهِ , فَإِنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحِيلَةُ وَلَدَغَتْهُ الْعَقْرَبُ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَأَلَ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ , فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْعَقْرَبُ دَاهِيَةً بِأَنْ غَيَّرَ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ أَوْ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَرَى رُجُوعَ الْبَائِعِ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ; فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى إبْطَالِ الْعَقْدِ بِإِقْرَارٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَبِيعِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَوْ يَرْهَنَهُ أَوْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ , وَيُقَدِّمُ تَارِيخَ ذَلِكَ عَلَى بَيْعِ الْعَقْرَبِ , وَلَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرًا وَخِدَاعًا ; فَإِنَّ الْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ حَسَنٌ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الظُّلْمِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَادَ لِيُوسُفَ فِي مُقَابَلَةِ كَيَدِ إخْوَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
[حِيلَةٌ فِي عَدَمِ سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ] الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا تَحَيَّلَ الْمَكَّارُ الْمُخَادِعُ عَلَى سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِالْمُمَاطَلَةِ وَقَالَ: إنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى دَيْنًا عَلَيَّ , فَتَرَكَهَا آمِنًا مِنْ إلْزَامِهِ بِهَا لِمَا مَضَى , فَالْحِيلَةُ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْرِضَهَا عَلَيْهِ , ثُمَّ يَسْتَاذِنَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِهَا , فَإِذَا فَعَلَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِقَضَاءِ مَا اسْتَدَانَهُ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ , فَإِنْ فَرَضَهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَاذِنْهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَمَضَى الزَّمَانُ فَهَلْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ , وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَرَّحُوا بِسُقُوطِهَا مُطْلَقًا فُرِضَتْ أَوْ لَمْ تُفْرَضْ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ فُرِضَتْ لَمْ تَسْقُطْ , فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ فَلْيَقُلْ لَهُ: اشْفَعْ لِي إلَى فُلَانٍ لِيُنْفِقَ عَلَيَّ أَوْ