لِلِاسْتِقْبَالِ , فَهَذَا الْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَوْ فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي لَجَزَمَ بِالْحِنْثِ , وَلَمْ يَقُلْ: " أَخَاف " فَهُوَ إنَّمَا يُطْلِقُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِيمَا عِنْدَهُ فِيهِ نَوْعُ تَوَقُّفٍ. وَاسْتِقْرَاءُ أَجْوِبَتِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا وَجْهُ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِدَامَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا كَاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى وَالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ لَهَا شَبَهٌ بِهَذَا وَشَبَهٌ بِاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْحِنْثِ , بَلْ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ وَالْفُلُوسِ] الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: هَلْ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ وَالْفُلُوسِ إنْ قُلْنَا هِيَ عُرُوضٌ وَالنُّقُودُ الْمَغْشُوشَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , فَإِنْ جَوَّزْنَا الشَّرِكَةَ بِهَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى حِيلَةٍ , بَلْ يَكُونُ رَاسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ , وَإِنْ لَمْ تُجَوَّزْ الشَّرِكَةُ بِهَا فَالْحِيلَةُ عَلَى أَنْ يَصِيرَا شَرِيكَيْنِ فِيهَا أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ نِصْفَ عَرْضِهِ بِنِصْفِ عَرْضِهِ مُشَاعًا , فَيَصِيرَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَرِيكًا لِصَاحِبِهِ فِي عَرْضِهِ , وَيَصِيرَ عَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ , ثُمَّ يَاذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ. هَذَا إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَرْضَيْنِ سَوَاءً , فَإِذَا كَانَا مُتَفَاوِتَيْنِ - بِأَنْ يُسَاوِيَ أَحَدُهُمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْعَرْضِ الْأَدْنَى ثُلُثَيْ عَرْضِهِ بِثُلُثِ عَرْضِ صَاحِبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ , فَيَكُونَ الْعَرْضَانِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا , وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ , وَلَا تَمْتَنِعُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى أَصْلِنَا فَإِنَّهَا لَا تُبْطِلُ حَقًّا , وَلَا تُثْبِتُ بَاطِلًا , وَلَا تُوقِعُ فِي مُحَرَّمٍ.
[الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ بِبَعْضِهِ] الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى بَعْضِهَا فَلَهَا ثَمَانُ صُوَرٍ ; فَإِنَّهُ إمَّا يَكُونُ مُقِرًّا أَوْ مُنْكِرًا , وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً , ثُمَّ الْحُلُولُ وَالتَّاجِيلُ إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ أَوْ فِي الْمُصَالَحِ بِهِ , وَإِنَّمَا تَتَبَيَّنُ أَحْكَامُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِذِكْرِ صُوَرِهَا وَأُصُولِهَا. الصُّورَةُ الْأُولَى: أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ أَلْفٍ حَالَّةٍ قَدْ أَقَرَّ بِهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَّةٍ ; فَهَذَا صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ , وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ , بَاطِلٌ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ; فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُصَحِّحُ الصُّلْحَ إلَّا عَلَى الْإِقْرَارِ , وَالْخِرَقِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لَا يُصَحِّحُهُ إلَّا عَلَى الْإِنْكَارِ , وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ يُصَحِّحُونَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ , وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ , وَهُوَ الصَّحِيحُ ; فَالْمُبْطِلُونَ لَهُ مَعَ الْإِقْرَارِ يَقُولُونَ: هُوَ هَضْمٌ لِلْحَقِّ ; لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ , فَإِذَا بَذَلَ لَهُ دُونَهُ فَقَدْ هَضَمَهُ حَقَّهُ , بِخِلَافِ الْمُنْكِرِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا افْتَدَيْت يَمِينِي وَالدَّعْوَى عَلَيَّ بِمَا بَذَلْته , وَالْآخِذُ يَقُولُ: أَخَذْت بَعْضَ حَقِّي , وَالْمُصَحِّحُونَ لَهُ يَقُولُونَ: إنَّمَا يُمْكِنُ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ لِثُبُوتِ الْحَقِّ بِهِ ; فَتُمْكِنُ الْمُصَالَحَةُ عَلَى بَعْضِهِ , وَأَمَّا مَعَ الْإِنْكَارِ فَأَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ حَتَّى يُصَالِحَ عَلَيْهِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: " صَالَحَهُ عَنْ الدَّعْوَى وَالْيَمِينِ وَتَوَابِعِهِمَا , فَإِنَّ هَذَا لَا تَجُوزُ الْمُعَارَضَةُ عَلَيْهِ , وَلَا هُوَ مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ , فَهَذَا أَصْلٌ , وَالصَّوَابُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ لِلنَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَالْمَصْلَحَةِ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَمُرَاعَاةِ الْعُهُودِ , وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شُرُوطِهِمْ﴾ , وَأَخْبَرَ أَنَّ: ﴿الصُّلْحَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا﴾ , وَقَوْلُ مَنْ مَنَعَ الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ: " إنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ " لَيْسَ