عَلَيْهَا كُلَّ سَنَةٍ خَرَاجًا؟ فَإِنْ قِيلَ: الْأُجْرَةُ تُدْفَعُ إلَى الْمُؤَجِّرِ وَالْخَرَاجُ إلَى السُّلْطَانِ. قِيلَ: بَلْ تُدْفَعُ الْأُجْرَةُ إلَى الْمُؤَجِّرِ أَوْ إلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ , فَيَصِيرُ وَكِيلَهُ فِي الدَّفْعِ.
[اسْتِئْجَارُ الدَّابَّةِ بِعَلَفِهَا] الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَاجِرَ الدَّابَّةَ بِعَلَفِهَا ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يُسَمِّيَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَلَفِ فَيَجْعَلَهُ أُجْرَةً ثُمَّ يُوَكِّلَهُ فِي إنْفَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهَا. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا عَلَى أَصْلِنَا ; فَإِنَّا نُجَوِّزُ أَنْ يَسْتَاجِرَ الظِّئْرَ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَالْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ , فَكَذَلِكَ إجَارَةُ الدَّابَّةِ بِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا. فَإِنْ قِيلَ: عَلَفُ الدَّابَّةِ عَلَى مَالِكِهَا , فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَى الْمُسْتَاجِرِ فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ , فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفْسِهَا. قِيلَ: هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْعَلَفَ قَدْ جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ فَهُوَ نَفْسُهُ أُجْرَةٌ مُغْتَفَرَةٌ جَهَالَتُهَا الْيَسِيرَةُ لِلْحَاجَةِ , بَلْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ حَاجَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ ; إذْ يُمْكِنُ الْأَجِيرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِالْأُجْرَةِ ذَلِكَ , فَأَمَّا الدَّابَّةُ فَإِنْ كُلِّفَ رَبُّهَا أَنْ يَصْحَبَهَا لِيَعْلِفَهَا شِقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى قِيَامِ الْمُسْتَاجِرِ عَلَيْهَا , وَلَا يُظَنُّ بِهِ تَفْرِيطُهُ فِي عَلَفِهَا لِحَاجَتِهِ إلَى ظَهْرِهَا , فَهُوَ يَعْلِفُهَا لِحَاجَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا مُخَاصَمَتُهُ
الْإِجَارَةُ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمُدَّةِ] الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَاجِرَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا , وَلَا يَدْرِي مُدَّةَ مُقَامِهِ , فَإِنْ اسْتَاجَرَهُ سَنَةً فَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى التَّحَوُّلِ قَبْلَهَا. فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَاجِرَ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا وَكَذَا , فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ وَتَلْزَمَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ , وَتَصِيرَ جَائِزَةً فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ , فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ عَقِيبَ كُلِّ شَهْرٍ إلَى تَمَامِ يَوْمٍ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ , وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ , وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; فَإِذَا خَافَ الْمُسْتَاجِرُ أَنْ يَتَحَوَّلَ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَيَلْزَمَهُ أُجْرَتُهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَاجِرَهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ بِكَذَا , فَإِنْ خَافَ التَّحَوُّلَ قَبْلَ الْأُسْبُوعِ اسْتَاجَرَهَا كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا , وَيَصِحُّ وَيَكُونُ حُكْمُ الْيَوْمِ كَحُكْمِ الشَّهْرِ.
[شِرَاءُ الْوَكِيلِ مَا وُكِّلَ فِيهِ لِنَفْسِهِ] الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً , فَلَمَّا رَآهَا الْوَكِيلُ أَعْجَبَتْهُ وَأَرَادَ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَلَا غَدْرٍ بِالْمُوَكِّلِ جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ شِرَاءَهُ إيَّاهَا لِنَفْسِهِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ وَإِخْرَاجٌ لَهَا مِنْ الْوَكَالَةِ , وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي حُضُورِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ , وَإِذَا عَزَلَ [نَفْسَهُ] وَاشْتَرَى الْجَارِيَةَ لِنَفْسِهِ بِمَالِهِ مَلَكَهَا , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بَيْعٌ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ , إلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُهَا قَدْ رَكَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَعَزَمَ عَلَى إمْضَاءِ الْبَيْعِ لَهُ ; فَيَكُونَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ حَرَامًا ; لِأَنَّهُ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ , وَلَا يُقَالُ: " الْعَقْدُ لَمْ يَتِمَّ وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ هُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْبَائِعِ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَيَعْقِدَ مَعَهُ هُوَ " لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا حَمْلٌ لِلْحَدِيثِ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ , وَالْأَكْثَرُ خِلَافُهَا. الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَنَ ذَلِكَ بِخِطْبَتِهِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ , وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﴿نُهِيَ أَنْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ﴾ , وَذَلِكَ أَيْضًا قَبْلَ الْعَقْدِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الشَّارِعُ لِأَجْلِهِ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْخِيَارِ , بَلْ هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الرُّكُونِ وَالتَّرَاضِي وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَاهُ كَمَا هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الْعَقْدِ. الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ بِلَا مُوجِبٍ , فَيَكُونُ فَاسِدًا , فَإِنَّ شِرَاءَهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ مُتَنَاوِلٌ لِحَالِ الشِّرَاءِ وَمَا بَعْدَهُ , وَاَلَّذِي غَرَّ