تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وَقَالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أَوْ أَمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ وَلْيَعْنِ فَهِيَ حُرَّةُ الْخِصَالِ غَيْرُ فَاجِرَةٍ , فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلَامُك فَاجِرٌ زَانٍ " فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ إلَّا حُرًّا عَفِيفًا , وَلَمْ يُرِدْ الْعِتْقَ , لَمْ يُعْتَقْ. وَإِنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: قُلْ: " فَهِيَ عَتِيقَةٌ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ وَلِيَنْوِ ضِدَّ الْجَدِيدَةِ , أَيْ عَتِيقَةٌ فِي الرِّقِّ , فَإِنْ تَفَقَّهَتْ وَقَالَتْ: قُلْ: " فَهِيَ مَعْتُوقَةٌ " وَ: " قَدْ أَعْتَقْتهَا إنْ مَلَكْتهَا " فَلْيَرُدَّ الْكِنَايَةَ إلَى حَصَاةٍ فِي يَدِهِ أَوْ خِرْقَةٍ , فَإِنْ لَمْ تَدَعْهُ أَنْ يَمْسِكَ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهَا إلَى نَفْسِهِ , وَيَعْنِي أَنْ قَدْ أَعْتَقَهَا مِنْ النَّارِ بِالْإِسْلَامِ , أَوْ فَهِيَ حُرَّةٌ لَيْسَتْ رَقِيقَةً لِأَحَدٍ , وَيَجْعَلُ الْكَلَامَ جُمْلَتَيْنِ , فَإِنْ حَضَرَتْهُ وَقَالَتْ: قُلْ: " فَالْجَارِيَةُ الَّتِي أَشْتَرِيهَا مَعْتُوقَةٌ " فَلْيُقَيِّدْ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ , أَوْ مَكَان مُعَيَّنٍ فِي نِيَّتِهِ , وَلَا يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ , فَإِنْ حَضَرَتْهُ وَقَالَتْ: مِنْ غَيْرِ تَوْرِيَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَلَا نِيَّةٍ تُخَالِفُ قَوْلِي , وَهَذَا آخِرُ التَّشْدِيدِ , فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ التَّوْرِيَةِ وَالْكِنَايَةِ. وَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ: " لَا أُوَرِّي وَلَا أُكَنِّي " وَالتَّوْرِيَةُ وَالْكِنَايَةُ فِي قَلْبِهِ , كَمَا لَوْ قَالَ: " لَا أَسْتَثْنِي " بِلِسَانِهِ وَمِنْ نِيَّتِهِ الِاسْتِثْنَاءُ , ثُمَّ اسْتَثْنَى فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ , حَتَّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ وَاسْتَثْنَى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا بِوَجْهٍ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ , كَقَوْلِ الْمَلَكِ لِسُلَيْمَانَ: قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ﴿إلَّا الْإِذْخِرَ﴾ بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُ بِهِ الْعَبَّاسُ , وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ﴿لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا , ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَسُكُوتِهِ: ﴿إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وَالْقُرْآنُ صَرِيحٌ فِي نَفْعِ الِاسْتِثْنَاءِ إذَا نَسِيَهُ وَلَمْ يَنْوِهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ وَلَا أَثْنَاءَهُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ , وَهَذَا إمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ إذَا نَسِيَهُ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ , أَوْ يَعُمَّهُ وَيَعُمَّ غَيْرَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ ; فَأَمَّا أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَيَرُدَّ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ , وَلِأَنَّ الْكَلَامَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِهِ وَبَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِهِ ; فَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْنَاءِ , وَإِنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.

[إجَارَةُ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِالزَّرْعِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ: لَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِالزَّرْعِ , فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَهُ حِيلَتَانِ جَائِزَتَانِ , إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ الزَّرْعَ ثُمَّ يُؤَجِّرَهُ الْأَرْضَ , فَتَكُونَ الْأَرْضُ مَشْغُولَةً بِمِلْكِ الْمُسْتَاجِرِ , فَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ , فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِكَوْنِ الزَّرْعِ لَمْ يَشْتَدَّ أَوْ كَانَ زَرْعًا لِلْغَيْرِ انْتَقَلَ إلَى الْحِيلَةِ الثَّانِيَةِ , وَهِيَ أَنْ يُؤْجِرَهُ إيَّاهَا لِمُدَّةٍ تَكُونُ بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ , وَيَصِحُّ هَذَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِجَارَةِ الْمُضَافَةِ.

[اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِخَرَاجِهَا مَعَ الْأُجْرَةِ] الْمِثَالُ التَّاسِعُ: لَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْمُسْتَاجِرُ بِالْخَرَاجِ مَعَ الْأُجْرَةِ , أَوْ يَكُونَ قِيَامُهُ بِهِ هُوَ أُجْرَتُهَا , ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةٌ تَلْزَمُ الْمَالِكَ بِسَبَبِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ ; فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى الْمُسْتَاجِرِ. وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يُسَمِّيَ مِقْدَارَ الْخَرَاجِ , وَيُضِيفَهُ إلَى الْأُجْرَةِ - قُلْت: وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ إذَا كَانَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا لَا جَهَالَةَ فِيهِ - فَيَقُولَ: أَجَرْتُكَهَا بِخَرَاجِهَا تَقُومُ بِهِ عَنِّي , فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ , وَلَا جَهَالَةَ , وَلَا غَرَرَ , وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ آجَرْتُك كُلَّ سَنَةٍ بِمِائَةٍ أَوْ بِالْمِائَةِ الَّتِي

سد الذرائع وتحريم الحيل · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سد الذرائع وتحريم الحيلص ٢٠٩