وعن عبدة بن أبي لبابة أنه لقي مجاهدًا رحمه الله فأخذ مجاهد بيده فقال: إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر. قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير ـ يعني المصافحة والتبسم ـ فقال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63]، قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني (1).
وعن الوليد بن أبي مغيث عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال: قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63]. فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني (2).
ولمثل هذه الإخوة كان - صلى الله عليه وسلم - يعمل (وهو يربي أصحابه رضوان الله عليهم ثلاثة عشر عامًا في مكة، وسنوات في المدينة بعد ذلك ... ولم يكن يقول في نفسه وهو في مكة: إلى متى نربي تلك المشاعر دون أن "نعمل"؛ لأنه كان يعلم يقينًا بما علمه ربه أن هذا من العمل الأساسي المطلوب لإنشاء القاعدة المؤمنة التي وُجِّه - صلى الله عليه وسلم - لإنشائها ... وأن هذه
(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 309).
(2) السابق (2/ 309، 310).