كل ذلك يعني أن ارتكاس العقلية التنظيمية معناه ارتكاس العمل الإسلامي ، وبالتالي ارتكاس الحركة الإسلامية ، ذلك أن العمل الإسلامي لا يمكن أن يبلغ المستوى المطلوب ويحقق الهدف المنشود ما لم يقم على قواعد تنظيمية محكمة في شتى ميادينه التربوية والحركية والسياسية والجهادية ، وما لم تتعهده وترعاه ذهنيات منظمة قادرة على وضع الأمور في مواضعها ، مكلوءة فوق ذلك بتوفيق الله وهداه .
إن المستقرئ لسيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لكل خطرة من خطراته ، ولكل خطوة من خطواته ، تتبين له معالم التنظيم في أسمى وأدق صورة ، فمثالاً على ذلك أنه في هجرته ـ عليه السلام ـ مع أبي بكر تبدو طائفة من اللفتات التنظيمية الجديرة بالدراسة والتأمل والتأسي ، من ذلك :
1 ـ طلبه إلى علي بن أبي طالب المبيت في سريره لتضليل المشركين ريثما يكون قد غادر مكة وبلغ غار ثور .
2 ـ اختياره غار ثور الذي يقع في اتجاه معاكس لطريق المدينة ، زيادة وإمعانًا في تضليل المشركين الذين كانوا يدركون أنه نهاجر إلى المدينة لا محالة .
3 ـ تكليفه عبد الله بن أبي بكر بنقل ما يجري في مكة من أخبار .
4 ـ تكليفه أسماء بنت أبي بكر بتأمين الطعام .
5 ـ تكليفه عامر بن فهيرة ، أن يرعى غنمه نهارًا ، ويريحها عليهما ليلاً ليأخذا حظهما من اللبن ، ولتُطمس بحوافر الأغنام آثار الأقدام التي تتردد على الغار .
6 ـ استئجاره رجلاً من المشركين ليكون دليلاً لهما على طريق المدينة .