تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن له أضراراً كثيرة على الزانيَيْن ، وعلى أسرتَيْهما ، وعلى مجتمعهما . وعليه ؛ فإن وقوع الزنا بالتراضي لا يبيح الزنا ، ولا يزيل أضراره وآثاره السيئة . فوجب معاقبة فاعله والأخذ على يده [27] . وأما القول بقسوة هذه العقوبة ، وإهدارها لآدمية الزاني بجلده أو رجمه ؛ فالجواب عنه : أن الزاني هو الذي أهان نفسه وعرضها للإذلال والإهدار ، فإنه لو لم يفعل هذه الفاحشة المنكرة لبقي محترماً موفور الكرامة ، حرمته مصونة ، ونفسه معصومة [28] . وأما اتهام هذه العقوبة بالقسوة والشدة ، فقد تقدم الجواب عنه قريباً . * الشبهة الثانية : حول حد الردة : قالوا : إن هذه العقوبة القاسية مصادمة لمبدأ عدم الإكراه في الدين ، والذي قرره الله في أكثر من آية في كتابه ، كقوله تعالى : [ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَي ]( البقرة : 256 ) ، وقوله : [ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ]( يونس : 99 ) . وهي كذلك مصادمة للحرية الشخصية في اختيار الدين الذي يراه الإنسان [29] ، كما أنها سبب لانتشار النفاق في صفوف المسلمين [30] . - دحض هذه الشبهة : أما قولهم : إن حد الردة مصادم لما قرره القرآن من مبدأ عدم الإكراه في الدين . فإنه غير صحيح ؛ لأن الإكراه المنفي في الآيتين إنما هو الإكراه على الدخول في الإسلام ابتداءً ، فالإسلام يريد ممن يدخل فيه أن يدخله عن قناعة ورغبة واختيار ، وإدراك لحقائقه وميزاته ، وأنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وجعله مهيمناً على الأديان كلها ، ولن يقبل من أحد ديناً سواه . فإذا دخل فيه كذلك ، فليس له من بعد أن ينكص عنه ، ويشتري الضلالة بالهدى ، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ إذْ ماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ [31] وإن القلب الذي تذوَّق حلاوة الإيمان ، وعاش في ظلاله الوارفة ؛ لا يمكن أن يرتد عنه ، وينكص على عقبيه ، إلا إذا غلب عليه هواه ، وفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاحٌ أبداً . ومن كان هذا حاله ، فجدير به أن يُقتل ويُستأصل . وأما قولهم : إنها مصادمة للحرية الشخصية في التدين بما يراه الإنسان . فالجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن الحرية الشخصية مقيدة كما سبق بعدم الإضرار بالنفس أو بالغير ، والردة تلحق بصاحبها وبالمجتمع المسلم أشد الضرر وأبلغه . فبالردة يحبط عمل المرتد

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٥٥