تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من حيث لا يشعر !! ولم يفكروا أي الفريقين أحق بالرعاية : أمَن جعلته ظروفه ونشأته ونفسيّته وما إلى ذلك هادئاً مطمئناً ، لا ينزع إلى الشر ، فكان مجنياً عليه ، أمّن كان على الضد من ذلك ، فكان جانياً ؟! إن الله خلق الخلق وهو أعلم بهم ، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويعلم ما يصلح الفرد ، وما يصلح الأمة ، وقد شرع الحدود في القرآن زجراً ونكالاً ، بكلام عربي واضح لا يحتمل التأويل » [23] . الوجه الثاني : أن الشريعة الإسلامية إذْ ترسم أحكامها لمعاقبة الجانحين والمجرمين ؛ لا تنطلق في ذلك من حصر المسؤولية فيهم ، وتحميلهم وحدهم عاقبة ما أقدموا عليه ، بل هي تجعل المجتمع مسؤولاً في بعض الحالات عن هذه الجرائم التي ارتكبوها ، وقاعدة درء الحدود بالشبهات أبلغ تجسيد لهذه الحقيقة ، وأوضح برهان عليها [24] . الوجه الثالث : أن رغبة المعترضين في جعل العقاب كالعلاج للمريض ؛ متحققة في العقوبات الشرعية التي هي مبنية على أساس الرحمة بالمجرم والمجتمع . ولكن هؤلاء فاتهم أن العلاج لا يُشترط فيه أن يكون لذيذاً تشتهيه النفس ، فقد يكون كريهاً مرّاً ، وقد يتضمن إسالة الدماء وقطع الأعضاء ، وهو في جميع هذه الصور يبقى علاجاً موصوفاً بالرحمة في حق المريض ، خالياً من الانتقام منه . كما فات هؤلاء أن العقوبات شُرعت لوقاية المجتمع وتطهيره من جراثيم الأمراض ، والأعضاء الفاسدة التي سرت فيها الأمراض المزمنة والمعدية ، وغفلوا أو نسوا أن التغاضي عن هذه الأعضاء الفاسدة ، والتسامح معها ، رغبة في صلاحها وصحتها ، سينتج عنه تفاقم المرض واستفحاله ، وانتشاره في سائر الجسم ، فلم يستصح العضو ولم يسلم الجسم . وهذا هو الشأن في العقوبات ، فقد شُرعت لتكون علاجاً لمن لا يجدي معهم علاج الوعظ والتذكير والإنذار [25] . ثانياً : الشبهات الخاصة : * الشبهة الأولى : حول حد الزنا : يقولون : إن الزنا برضا الطرفين حرية شخصية ، وإقامة الحد في هذه الحال مصادرة لهذ الحرية التي يجب أن تصان ، كما أن حد الزنا فيه إهدار لآدمية المجرم ، وإيذاء له لم يعد مقبولاً في العصر الحديث [26] . - دحض هذه الشبهة : أما الاحتجاج بالحرية الشخصية إذا وقع الزنا برضا الطرفين ، فإنه قول متهافت مردود ؛ لأن الإنسان ليس حراً في فعل ما يضره ، أو يضر غيره . فله مطلق الحرية ، إلا فيما يعود عليه أو على غيره بالضرر . وقد ثبت بالشرع والعقل والحس أن الزنا شر سبيل ،

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٥٤