المبضع في لحمه ، وقطعه الجزء الفاسد من جسمه مظهراً من مظاهر القسوة ؟! ولكنها قسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة ، وبخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها من هلاك وتلف ، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة بقائها . والمجتمع هو الجسم كله ، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه [12] . فهي تحفظ للمجتمع حقه ، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه . والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة ؛ إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معاً ؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن ، وانحلال المجتمع ، وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع ، فقل على الأفراد وعلى المجتمع العفاء [13] . قال عز الدين بن عبد السلام : « وربما كانت أسباب المصالح مفاسد ، فيؤمر بها أو تباح ؛ لا لكونها مفاسد ، بل لكونها مؤدية إلى المصالح ، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة ، حفظاً للأرواح ، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد . وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد ، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعها ، كقطع السارق ، وقطّاع الطريق ، وقتل الجناة ، ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم ، وكذلك التعزيرات ، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية » [14] . رابعاً : أن الإسلام قبل أن يستأصل هؤلاء المجرمين ، ويقرر عليهم العقوبات الرادعة ؛ قد أعذر إليهم : حيث قدم لهم من وسائل التربية والوقاية ما كان يكفي لإبعادهم عن الجريمة التي اقترفوها ؛ لو كانت لهم قلوب تعقل ، أو نفوس ترحم . ثم إنه لا يطبقها أبداً حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مسوّغ ولا شبهة اضطرار . فوقوعه فيها بعد كل هذا دليل على فساده وشذوذه ، واستحقاقه للعقوبات الرادعة المؤلمة . فهو مثلاً لا يقطع يد السارق إلا بعد توفير الوسائل التي تمنع من السرقة ، فقد عمل على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً ، وجعل في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للفقراء ، وأوجب النفقة على الزوج والأقارب ، وأمر بإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ، وجعل الدولة مسؤولة عن كفالة أفرادها بتوفير تمام الكفاية لهم في الحاجات الضرورية من مطعم وملبس ومسكن وغيرها ، بحيث يعيشون حياة لائقة كريمة . كما أنها تكفل أفرادها بفتح أبواب العمل الكريم لمن يستطيعه ، وتمكين كل قادر من أن يعمل بمقدار طاقته ، وتهيئة الفرص المتساوية للجميع . وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة
أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي