تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المصالح الخمس الكبرى ، والتي أجمعت الشرائع والعقلاء في كل زمان على وجوب حفظها وصيانتها ؛ لأنها لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها . ولأجل هذا كان المرتكب لشيء منها جديراً بأن تغلّظ عليه العقوبة ، حتى تكون زاجرة له ، ورادعة لغيره . وها هي ذي الجرائم الكبرى تعصف بكثير من الدول التي لا تطبق الشريعة الإسلامية ، مع كل ما توفر لها من إمكانيات وقدرات ، وتقدم مادي وتقني ، وأجهزة أمنية وإدارية واستخبارية . ثانياً : أن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم ، ونسوا مصلحة المجتمع ، وأشفقوا على الجاني ، وأهملوا الضحية ، واستكثروا العقوبة ، وغفلوا عن قسوة الجريمة : ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة ، ولاحظوا الاثنتين معاً ، لخرجوا موقنين بالعدالة في العقوبات الشرعية ، ومساواتها لجرائمها . فإذا استحضرنا مثلاً فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفياً ، ينقب الجدار ، ويكسر القفل ، ويُشهر السلاح ، ويروّع الآمنين ، هاتكاً حرمة البيوت ، وعازماً على قتل من يقاومه ، وكثيراً ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق إلى إتمام سرقته ، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز . وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم على وجه السارق المرعب الشرس ، وهو شاهر سلاحه يهدد من يواجهه . وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعاً ، وتعطيل لحركتهم ، وبث للرعب في نفوسهم ، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم ، وتأمينها بالمغاليق والأقفال ؛ لأن السارق يبغي المال ، وهو موجود عندهم جميعاً ، فهم معرضون لإجرامه دون تمييز . لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق ، ثم قارناه بقطع يده الآثمة الظالمة ؛ لما قلنا عن عقوبته : إنها قاسية ظالمة . وهكذا الشأن في بقية العقوبات ، علينا أن نستحضر جرائمها ، وما فيها من أخطار وأضرار ، وظلم واعتداء ، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة ما يناسبها ، وجعل الجزاء من جنس العمل ، وما ربك بظلام للعبيد [11] . ثالثاً : أن الله تعالى أراد للناس أن يعيشوا آمنين مطمئنين ، ولن يتيسر لهم ذلك إلا ببتر الفاسدين وقطع دابرهم . وهذه سنة الله في خلقه : فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد ، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه ، فلا مناص من الإقدام على ذلك . وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا العضو الفاسد من جسم أخيه ؛ أليس ضربه

أبحاث حول الحدود في الإسلام · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أبحاث حول الحدود في الإسلامص ٤٨