تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: العقول محجوبة بالأهواء والمطامع والعصبيات، لا يسلم منها إلا من هدى الله وعصم. وبعض هذه الآفات تختفي وتستتر في غيابات النفس حتى تخفى على صاحبها فيحسب نفسه مخلصا للحق، مؤثرا للصدق، ساعيا للخير ليس له فيما يقول مطمع ولا هوى. وهو في الحق منقاد لمطمع خفي أو مغلوب بهوى باطن. ولولا الأهواء ما اختلفت العقول هذا الاختلاف، ولما كان اختلافها باختلاف الجماعة، كل عاقل في هذه الجماعة يرى رأي العقلاء فيها، وكل عاقل في الجماعة الأخرى يرى رأي عقلائها. لو كان الأمر للعقل والحق لرأيت عقلاء من فريق ينصرون عقلاء من فريق آخر، ولكان الاختلاف في كل فريق، وما انحاز فريق كله إلى دعوى، وانحاز الفريق الآخر كله إلى دعوى، فإن الحق لا يتبع الحدود الجغرافية والجنسية. إنه الهوى الخفي، وهو أشد مراسا وأعظم ضررا من الهوى الظاهر. صاحب الهوى الظاهر مظنة أن يرجع إلى نفسه فيثوب إلى الحق ويؤثر العدل، وصاحب الهوى الباطن كالمريض الذي لا يعلم أنه مريض. وكما يحتاج الداء الخفي إلى طبيب يلتمسه في الجسم كله ويتقصى علاماته وأعراضه حتى يتبينه، كذلك صاحب الهوى الخفي يحتاج إلى من يتلطف له حتى يكشف عن دائه. ولكن المريض يسعى لمعرفة الداء فهو عون للطبيب، وصاحب الهوى يجادل عن هواه فهو عون للهوى على الناصح!

السبت 8 صفر/18 نوفمبر

ما وراء هذا الإسراع

سار بنا الحديث في مجلس إلى وسائل الانتقال وسرعتها في هذا العصر، فتحدثنا في سرعة الباخرات والسيارات والطائرات. وذكرنا أنواع الطائرات، وزيادة سرعتها كل حين، وأن طائرة تطوي المسافة بين لندن والقاهرة في خمس ساعات، وطائرة حربية تطوي ثمانمائة ميل أو ألفا في الساعة ... وهلم جرا.

فجأت المتحدثين بسؤالي: ما وراء هذا الإسراع؟ سكت بعض، وابتسم بعض، وعجب آخرون أن أسأل عن جدوى السرعة في عصر السرعة! ولكني كررت سؤالي: ماذا وراء هذا الإسراع؟

قال أحدهم: إن الإسراع يبلغ الإنسان مقصده في زمن قليل فهو يقرب المقاصد، ويوفر الوقت فيوسع العمر. قلت: إن كانت المقاصد التي نسرع إليها مقاصد نافعة، وحاجتنا إليها تلائم الإسراع في تحصيلها، فلا بد من الإسراع ولا ريب في فائدته. وأما إن كان المسرع يقصد السير والتنزه لا غير فليس في إسراعه نفع، وفيه تنغيص المسير والتعريض للهلاك. وإن كان يقصد إلى الجلوس الطويل في ندي أو مقهى فلماذا يسرع ليجلس ويجد ليبطل؟!

وإن كان المسرع مسافرا يقصد إلى مكان يستريح به ويستمتع بالإقامة فيه فلعل في الطريق متعة وراحة كذلك، ولعل في ركوب الباخرة ما يتصل بقصده أكثر من الطائرة. وإن كان الإسراع ليسبق تاجر تاجرا ببضاعته في الأسواق، وسواء عند الناس أن تسبق إليهم بضاعة هذا التاجر أو ذاك، فليس في هذا الإسراع نفع، ولكنه ينفع إنسانا أو جماعة ينافسون في جمع المال.

إن الإسراع قد ذهب بالسكينة والطمأنينة، ونال من أجسام الناس وعقولهم، فينبغي ألا يكون إلا لضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.

الأحد 9 صفر/19 نوفمبر

في السلك السياسي

هذا النظام ولد في أوروبا ونشأ وترعرع، فجمع كثيرا من سننهم وآثار تاريخهم. كان في أوروبا ملوك متنافسون يتحاربون ويتصالحون، وكان الملك يرسل رسولا إلى ملك آخر فيبالغ الرسول في أبهته والإعراب عن عظمة ملكه وقوة بلاده. وتنافس الرسل الذين يرسلون إلى ملك واحد في تقدم بعضهم على بعض، ومفاخرة بعضهم بعضا، فوضعت قوانين تنظم صلاتهم ودرجاتهم، واجتمعت على مر الزمان ضروب من المراسم عمل بها الممثلون السياسيون. ولكن حرية الأمم وتسلطها، وضعف سلطان الملوك وغلبة الشورى، وميل الناس إلى التحلل من القيود قللت من هذه المراسم، وحطت من شأنها. فالتمثيل اليوم قول وعمل في مصالح الدولتين، دولة الرسول والدولة المرسل إليها، وفي مصالح البشر. ولم يبق للدسائس والمكر والخداع، والقمر شأنها الأول.

الشوارد · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٨٣