الأربعاء 5 صفر/15 نوفمبر
سجلها واسترح
للإنسان أعمال كثيرة، وللأعمال أوقات لا ينبغي أن تقدم عليها ولا تؤخر. والعامل المجد البصير بوسائل النجح يقسم أعماله إلى أوقات، ويجعل لكل عمل موعدا، ويوقت لصلاته بالناس مواقيت يلقاهم فيها أو يكاتبهم أو يحدثهم بالهاتف.
ومن الناس كثير النسيان يغلب نسيانه على ذكره، ومنهم من يعدل ذكره نسيانه، ومنهم من لا يكاد ينسى. والفريقان الأول والثاني حتم عليهما أن يجعلا لأوقاتهما وأعمالهما سجلا يذكر بكل عمل في وقته، فإن لم يفعلا نسيا العمل في وقته، والموعد في حينه، واضطربت الأعمال والمواعيد.
والآخرون يثقون بتذكرهم، ويتحدثون بأنهم لا ينسون أعمالهم في مواقيتها، ويحسبون أنهم في غنية عن اتخاذ المذكرات ثقة بأنفسهم. ولهؤلاء أقول: إن الذاكرة مهما تكن قوية جديرة بالثقة، عرضة للنسيان، والورق أوثق منها لا محالة، ولو لم تكن عرضة للنسيان فالتذكر شغل يراقبه صاحبه بين الحين والحين ويبعد عنه النسيان ويخشى أن يطرأ عليه. فلماذا لا تريحون خواطركم، وتعفون عقولكم من القلق وتضعون الأحمال عنها في ورقة تكفل لكم الذكرى في غير مشقة ولا خوف، فإن ذكركم مهما قوي واستحكم، لا يسلم من الغلط والسهو، ولا يبلغ مبلغ التسجيل في ترتيب الأعمال وتقسيمها، ولا سيما حين تكثر الأعمال وتزدحم بها الأوقات. فعودوا أنفسكم التسجيل والترتيب، واتخذوا هذه الدفاتر المذكرة فهي أسلم عاقبة، وأخف حملا وأقرب إلى الطمأنينة والثقة. ولا يغرنكم ما عهدتم في أنفسكم من الذكر فإن اختلاف النهار والليل ينسي.
الخميس 6 صفر/16 نوفمبر
قسوة العقائد والعادات
ليست قسوة القوي على الضعيف، والقادر على العاجز شيئا لو قيست بقسوة العقائد والعادات في الجماعات. فالمرأة التي كانت تحرق نفسها حين يموت زوجها، والإنسان الذي يسلم نفسه لكل مذلة، ويقبل السخرة لكل دنية؛ رضا بما علم، واستسلاما لما أسلم إليه، قست عليهما عقائد فقبلا عذاب الموت وعذاب الحياة كأنهما راضيان يختاران الموت، والموت اضطرار كما يقول المتنبي.
والمرأة التي لا تخرج من دار أبيها إلا إلى دار زوجها أو القبر، ولا تخرج من دار زوجها إلا إلى القبر أو عائدة إلى دار أبيها، والتي يبطش بها زوجها أو أهلها فلا تشكو ولا تفر، قد قست عليها العادات، ولكنها فقدت من قسوتها الشعور بالألم: ما لجرح بميت إيلام!
وكثير من الناس في قهر العادات أو العقائد يتكلفون ما لا يطيقون، ويبذلون ما لا يملكون، كالولد الذي يلقى في بيئة فاسدة من قسوة أهله وحملهم إياه على ما يكره، وحملهم ما يكره عليه، والخادم في بيئة مستبدة يحمل من تسلط سيده وبطشه ما لا قبل له به، والذي يقترض المال ويلتمسه بكل وسيلة ليبذله في عرس أو مأتم.
فعلى مرشدي الأمم ومشرعيها أن ينظروا إلى ما تحت أثقال العادات والسنن السيئة من بائسين منكودين، وإلى ما وراء الرضا الكاذب الذي يشبه رضا الموتى من قتلى وجرحى، ويرحموا الناس من قسوة السنن والعادات، كما يرحمونهم من كلب الفقر والمرض، وكما يرحمونهم من قوي لا يرحم وسفاك لا يشفق ومجرم لا يبالي.
كم ذهب مع الأيام ممن لقوا عنت العقائد الفاسدة والسنن الباطلة في أنفسهم وأبدانهم وأموالهم! وكم في الناس اليوم من رازح تحت هذه الأثقال الباهظة، ولو عقل لرحم نفسه، ولو عقل الناس لرحموه!
الجمعة 7 صفر/17 نوفمبر
العقول محجوبة بالأهواء
ثار خلاف بين دولتين إسلاميتين: باكستان وأفغانستان، ولا أسمي المعتدي والمعتدى عليه، فليس هذا من قصدي في هذه الكلمة.
لقيت ناسا من هذه الدولة وناسا من تلك؛ فكل يدعي أن جماعته على حق وأنهم يرعون الأخوة الإسلامية والجوار، ولا يبغون إلا الخير، ولا يحبون أن يزيدوا شواغل إخوانهم ويكثروا معضلاتهم بهذا النزاع، وأنه رغم الأنف أن ثار هذا النزاع ورغم الأنف أن يدوم. وبعض هؤلاء مجادل متعصب تغلب عصبيته عليه غلبا بينا، وبعضهم يوحي إلى سامعه أنه مؤمن بما يقول، مخلص فيما يدعي.