تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكرت في الأمر كثيرا وقلبت الرأي في ماضي الجمل وحاضره وفي راحته اليوم وعنائه بالأمس، فلم تكف نفسي عن الرثاء للجمل والنفور من إهانته والاستخفاف به، وأن في جر العربات وحمل الجلاجل ما يذهب بوقاره وهيبته.

الأربعاء 27 محرم/8 نوفمبر

بين الاستقلال والتقليد

من أشق الأمور وأثقلها على النفس أن يرى الإنسان لنفسه، ويعمل برأيه، ويفكر مستقلا، ويتبع ما يهديه إليه تفكيره. كثيرا ما نرى أمرا عندنا ورثناه من تاريخنا أو اهتدينا إليه في حاضرنا، وهو صواب لا يرده عقل ولا يجتويه ذوق، ولكن ليس له قبول في الحضارة الغربية المحيطة بنا. فترى القليل يتمسك به غير مبال بالآداب الغربية وأنصارها، وترى قليلا يرونه حسنا ولا يعملون به؛ سيرا مع السابلة، وجريا مع التيار وعجزا عن الاستقلال، وخجلا من المخالفة. وترى أكثر الناس يهجرونه ويقبلون ما يخالفه من سنن الغرب ويستحسنونه ولا يقبلون فيه عيبا، ولا يدركون فيه نقصا؛ إذ كان ميزانهم فيما يأتون وما يذرون عمل الغرب وتركه. كل ما جاء عن الغربيين وصلوه بهذه الحضارة الباهرة، واحتجوا بها كلها، كأن الحضارة التي أخرجت هذه العلوم والصناعات لا تخطئ في الأمور الاجتماعية، ولا تنشأ فيها سنن سيئة، وكأن كل سنة تستحسن عندهم هي حسنة عندنا لا محالة. وكم عند الغربيين من مساوئ هم يعرفونها، وهم يعيبونها! وكم عندهم من آداب هي لهم حسنة وهي لغيرهم قبيحة!

إننا في فتنة عمياء من هذا العصر، وفي حيرة وقلق. والعاقل الشجاع الحر ذو الرأي، هو في جهاد دائم من القول والفعل، يسخر الناس منه وهو يسخر منهم، ويقول فلا يسمع له، ويعمل فلا يقتدى به، ولكن أخذ الله الميثاق على أولي العلم والرأي أن يصدعوا بالحق لا يبالون، وأن يتبعوه ولو كره المبطلون.

الخميس 28 محرم/9 نوفمبر

خلوة إلى النفس

ما أكثر ما يشغل الإنسان عن نفسه، تتوالى الأيام وهو في شغل من أعمال نافعة أو ضارة، جليلة أو حقيرة، لا يتلبث حينا ليسأل نفسه: فيم أنت، ولم نهجت هذا المنهج ولم آثرت هذا العمل؟ والذي يدركه في هذه الشواغل هو ما يخلص إلى عقله وقلبه من هذه الضوضاء المحيطة، والعجاج الثائر، لا يفرغ لتمحيصه ولا هو مستوح له قلبه وعقله، فهو يسمع ويقرأ ذاهبا مع التيار، ويسير ماضيا مع الركب.

وإذا خلا الإنسان إلى نفسه، ونفى عن سمعه وعينه حينا ما يشغلهما كل حين من الأصوات والمرائي، واستوحى ربه، وسمع قلبه في سكون الليل وهدأة السحر، فعسى أن يفقه في ساعة ما لا يفقه في أيام، بل يدرك في لمحة ما لم يدرك في سنين، وعسى أن تتنزل عليه في هذه الخلوة من المعاني ما لم يخطر له، وما يحسب أنه بعيد عنه، وعسى أن يفتح له في خلوته طريق في الحياة جديد، ويبين له رأي في نفسه سديد، فيعدل عن نهجه الأول، ويحيد عن عيشته الماضية. إن كان شاعرا أو كاتبا انثالت عليه الأفكار، وواتته الصور وحيا على القلم واللسان، لا ينصب له، ولا يتكلف. وأحسب أن كثيرا مما اخترع الناس، وكثيرا مما أبدع فيه المفكرون كان من بركة هذه الخلوات، وإلهام هذه الساعات.

ونحن في معيشتنا هذه، قل أن نظفر بخلوة نسكن إليها، ووقت نجمع فيه أنفسنا، فنمضي مع السابلة، ونقول على القائلين في قلق واضطراب وصخب، فليتلمس كل واحد خلوته، وليبعد عن الضوضاء جهده، وليتوجه إلى الله الملهم الهادي، وينصت إلى ما في سريرته، ويصرف سمعه وبصره عن الناس قليلا، ليتلقى عن ربه، ويأخذ عن قلبه، فهذه ساعات أجدى من السنوات، هي ساعات يهتدي بها الإنسان ما لا يهتدي في طويل الزمان.

الجمعة 29 محرم/10 نوفمبر

على ضريح القائد الأعظم

ما تزال عواطف أمة تجيش، وآمالها تطمح، وعزائمها تمضي حتى تجمع أو تكاد على مقصد تقصده، ومطلب عظيم تطلبه، وفيها المخالف والمتردد، والخائف واليائس ومن لا يبالي. ويقيض الله للأمة زعيما يدعوها وقائدا يقودها ويحدوها فتسلس القياد، وتستقيم على الطريقة وتشجع على المخاوف، وتقدم على الأهوال، وتمضي على كل حال، وينحاز إلى القافلة من المخالفين والمترددين والخائفين واليائسين وغير المبالين. ويبقى من هؤلاء جميعا من ينظر وينتظر ويقدم ويحجم حتى يرى الأمر جدا والسير قدما، والغاية قريبة، فيصحب الركب طوعا أو كرها.

الشوارد · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٧٩