تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمة الفاسدة قوانينها سطور معطلة، ودعاوى مبطلة، إلا قليلا. أهواء الأقوياء قوانين عندها، وشفاعات العظماء شرع لديها. كل محسن يرجو أن يثيبه واحد أو طائفة أكثر مما يرجو ثواب القانون. وكل مسيء يحذر فردا أو حزبا أكثر مما يحذر القانون، أو يرجو عظيما أو عظماء لينجوه من جزاء القوانين.

اعرض على نفسك من تعرف من الأمم، أو الجماعات في أمة واحدة، تجد تصديق هذا القول، وتعرف أن أبين مقاييس الصلاح والفساد في أمة أن يعلو الناس على الشرع أو يعلو الشرع على الناس، وإن شئت فقل: أن تحكم الأمة بشرع عادل جامع، أو بهوى جائر مفرق.

الأحد 17محرم/29 أكتوبر

العسر واليسر، أو البساطة والتعقيد والتركيب

كنت أقرأ اليوم كتاب «حضارة الهند» لجستاف لوبون، ترجمته العربية، فمررت بصور شتى هندوكية وإسلامية، فقلت لرفيق في السفينة: إني أميز بين الصور الإسلامية وغيرها بالنظرة الأولى، إن سألتني عن خصائص كل فن فلا علم لي، ولا خبرة؛ ولكن لا أتردد في أن أقول لصورة في هذا الكتاب وغيره من صور الآثار في الهند: هذه إسلامية وهذه هندوكية. في الأولى بساطة ويسر، وفي الأخرى تركيب وعسر، الأولى جمالها في مرآها الواضح تحيط به العين، وتسكن إليه النفس، والثانية تلقاك بنقوش متداخلة وصور متراكبة، وتزاحم الخطوط والهيئات وفيها تجهم لا جمال، وعبوس لا ابتسام، وهيبة لا أنس . الأولى قصيدة مطبوعة يهش لها الفكر والأخرى بديعية مصنعة متكلفة تشغل الفكر بمحسناتها ولا تثير العاطفة.

لا أقول هذا عصبية، ففي بعض الأبنية الهندية جمال، وفي بعض الأبنية الإسلامية تعقيد، وكذلك قلت حين رأيت الجوامع والكنائس: هذه يسيرة جميلة، وهذه صعبة معقدة متجهمة، ما اشتبه علي الأمر في آثار المسلمين وغير المسلمين في الهند وغيرها. وأما بيان هذا وتفصيله فعلمه عند الخبراء.

الإثنين 18 محرم/30 أكتوبر

نحن وهم

ركبت الباخرة من الإسكندرية إلى كراچي يوم الجمعة 15 المحرم/21 أكتوبر، وكان في الباخرة سيدات أمريكيات في سن الشباب والفتاء ذاهبات إلى الهند، جهات مختلفة فيها، ليقمن فيها خمس سنوات ونصف، معلمات عاملات ما تعمله بعثات التبشير المسيحية في البلاد التي تذهب إليها. قال رفيق في الباخرة: ونحن نتحدث عن الجو: سيعرف هؤلاء الحر حين يبلغن غايتهن. قلت: إن كل شيء ممهد أمامهن ميسر، فهؤلاء الناس الأوروبيون ومن نسل منهم يخلقون حيثما كانوا من أرجاء الأرض بيئة مريحة ميسرة، فيكفون بها هموم الحر والبرد، والنصب والحرمان، ويفرغون لأعمالهم ناعمين برفاهية كالتي ألفوها في بلادهم أو قريب منها، ولولا هذا ما صبروا في الأرجاء النائية التي يذهبون إليها وما استطاعوا أن يوفروا أفكارهم وأيديهم للعمل الذي يغتربون له. وقد رأيت المهندسين من أمريكا في نجد في مزارع الملك عبد العزيز في الخرج، فوجدت مسكنهم مرفها لا ينقصه شيء وقد كيف الهواء كما يشاءون، وهم متصلون بالظهران يذهب كل منهم إليها في نوبات موقوتة، والظهران يصلهم بأمريكا، فلا عجب أن يطول مكثهم هناك ويفر غيرهم.

وقلت: إن رأيت هؤلاء في الهند أو رأيت أشباهن، وما أحسبك إلا رأيت، فستعرف صدق قولي.

ثم قلت: ولست بعد هذا مماريا في جرأة القوم، وإقدامهم على الاغتراب، وكلفهم بالمعرفة وطواعيتهم للواجب، فهذا قبل الرفاهية يخرج هؤلاء النساء من ديارهم إلى بلاد لم يعرفنها ليمكثن بها خمس سنوات.

بهذه الهمم وهذه العزائم، وبهذه الأخلاق ساد القوم وسيطروا وتسلطوا على أرجاء الأرض والبحار.

الثلاثاء 19 محرم/31 أكتوبر

في بحر العرب

قاربنا نهاية البحر الأحمر وجاوزنا أكثر الساحل اليمني، ومررنا بجزر صخرية يخفق عليها منار في أوائل الليل، وقيل: نحن مقبلون على بحر العرب، نجاوز عدن ونعرج إلى الشمال فنسير في خليج عدن إلى بحر العرب.

الشوارد · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٧٥