تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخميس 14 محرم/26 أكتوبر

السفر ومواعيده

سمعت من الأمثال المصرية: الخروج من الدار نصف السفر. وفي أمثال العرب القدماء: السفر ميزان السفر. وكان الناس في مصر، إلى عهد قريب، إذا أزمعوا سفرا للحج برزوا إلى الساحات قبل السفر بيوم أو أكثر وأخرجوا أمتعتهم ليودعهم المودعون، وليتفقدوا أمتعتهم قبل دهشة الوداع والرحيل.

ومهما يتغير الزمان، وتتبدل الأحوال، ويوات الناس من وسائل السفر وأدواته، فلا بد للمسافر من إعداد وتهيؤ، واحتياط وحزم، ولا بد للمسافر من الأناة واحتمال المشقة وإعانة الرفيق والصبر على أذاه.

وكم يعرض للمسافر في الساعة الأخيرة من زيارة نسيها، أو رسالة لا بد أن يكتبها أو حساب يختمه، أو غير هذه مما يطرأ أو يفجأ. وخير ما يحتاط به المسافر أن يقدر أن موعد سفره قبل موعده المحدود بيوم أو يومين، ويجتهد أن ينجز كل شيء قبل الموعد المقدر، فإن ذكر نسيا، أو لقي طارئا أمكنه تداركه.

أكتب هذه الكلمة وأنا أذكر ما لقيت أمس واليوم في الإعداد للسفر إلى الإسكندرية فباكستان، وقد عجلت الباخرة سفرها يوما، فاضطربت أعمالي، وارتبكت مواعيدي، وضاق الوقت بالإعداد والتهيؤ. والمسافر الحازم لا يؤخر عدته حتى يضيق بتعجيل السفر يوما أو يومين! ولكن الإنسان يجرب ما عاش، ولا تنفعه التجارب إن لم تزده كل تجربة عزما وحيطة، وتفكيرا وتدبيرا.

الجمعة 15 محرم/27 أكتوبر

صديقان لا يتكلمان

سارت بنا باخرة أمريكية من الإسكندرية تؤم كراچي، ومعي بنيتي هالة، وكانت لا تعرف اللغة الإنكليزية. وكان في السفينة نفر من الأمريكان فيهن بنت صغيرة كهالة، فبدأت الألفة بينهما واستحكمت على مر الأيام، فكانتا تصطحبان أكثر الأوقات، وتلعبان وتتفاهمان وهالة لا تعرف الإنكليزية، وسوزان لا تعرف العربية.

قلت: تبين بهذا أن الصداقة تكون بغير لسان، والتعاون يمكن بغير كلام، والتفاهم لا يستحيل بغير لغة، وأن في النظرات والإشارات غنية في أمور كثيرة. وذكرت ما قال الشعراء في لغة العيون وقلة الكلام إذا اشتد الحب، وجاوزت هذا إلى الفكر في البهائم تتفاهم بأصوات قليلة، والطير تقل النبرات وتقصرها في الخطاب، وتكثرها وتطيلها في التغريد. وفكرت في أن أكثر الناس قولا أقلهم عملا، وأن العمل والثرثرة لا يجتمعان، والتفكير والتكلم مختلفان تنقص زيادة أحدهما من الآخر.

وأشفقت من استرسال الفكر في اللغات؛ ألفاظها وتراكيبها وأساليبها واختلافها بين الأمم، وفي الأمة الواحدة، بل اختلافها باختلاف المتكلمين قاطبة، ومن التفكير في أسرار الفصاحة والبلاغة. أشفقت من هذا المجال الفسيح الهائل فرجعت إلى الصديقتين الصغيرتين التي لا تكلم إحداهما الأخرى، ولكن تصاحبها وتلاعبها وتصادقها، فقلت: ما يدريك؟ لعل رجوعهما إلى الفطرة المتوحدة في العقل والعاطفة، وعجزهما عن اللغة التي تختلف فيها الأمم ويختلف فيها الناطقون، أدعى إلى الود بينهما! لقد أمكن التصادق بغير التكلم أياما، وأغنت الفطرة في حركاتها ونظراتها عن التعبير في هذا المجال. رأيت رأي العين صديقين لا يتكلمان.

السبت 16 محرم /28 أكتوبر

الأشخاص والقوانين

بدا لي وأنا أفكر في أحوال الأمم، أن معايير الفساد والصلاح فيها هذا المعيار: الأمة الصالحة ترى القوانين لا الآحاد، وتكبر السنن لا الأفراد، ويستوي في قانونها وفي إنفاذها القانون الصغار والكبار، والضعفاء والأقوياء، ديدنها ما قال الصديق: «الضعيف قوي حتى يؤخذ الحق له، والقوي ضعيف حتى يؤخذ الحق منه.» كل واحد فيها، أو أكثر بنيها، يخضع للقانون، ويدعو إليه، ويعين على إنفاذه، شعارها الآية الكريمة:

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، وقول الرسول الكريم لمن شفع عنده لسارقه: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

الشوارد · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٧٤