وبدا لي أمس أن أهيئ المكتب وأرتب عليه الأوراق التي أعمل فيها ففعلت، فأصبحت اليوم مشروح الصدر للعمل، مشوقا إلى المكتب، أسرع إليه لأكتب ما عن لي، أو للتفكير فيما عسى أن أكتب.
قلت لنفسي: قد اختلفت حالك واختلف عملك بإهمال المكتب وتهيئته، ورب أمر كبير جلي من أمر صغير خفي، وربما أنجح منجح وأخفق مخفق بمثل هذه الأمور التي نحقرها. إنها مداخل الخلل في الأعمال، والزلل في الأفكار. رب شاعر أو كاتب أو عالم أعانه على قصده حتى نبغ، دار هادئة وغرفة يسكن إليها وبيئة يستريح فيها. ورب نابغ ركد نبوغه في نفسه، مما فقد الدار المريحة والمجلس الخالي، والحجرة المرغبة في العمل. دع البيئات الكبرى التي ينشأ فيها الناس من بلده وجماعته ومدرسته وحكومته، فالأمر في هؤلاء جد جلي.
الجمعة 1 محرم/13 أكتوبر
خاتم ذهبي في أصبع محتضر
قرأت في إحدى الصحف أن رجلا أو شيطانا ذهب يعود امرأته أو قريبة له مريضة فوجدها في الاحتضار وفي يدها خاتم ذهب، فنزعه وأخذه.
الموت المحتم، والفناء المجسم في هذه المرأة على فراش الموت، وسخرية الأصبع المائتة من حلي الدنيا وزينتها، والحجة القائمة على ذئاب البشر بهذا المنظر، كل أولئك لم يوقظ الإنسانية في هذا الرجل المستكلب، ولم ينبه الكرم في هذه النفس اللئيمة.
ثم الحزن على هذه المحتضرة، ووداع هذه الذاهبة، وذكرى الصلات التي تنقطع، والسيرة التي تنتهي، والمودة التي تبلى، والفراق الذي لا لقاء بعده، كل أولئك لم يشغل هذا الشره عن قطعة من الذهب في أصبع تموت.
وجلال الموت ورهبته، وضيق النفس وحشرجته، وبقايا النظر في هذه المائتة التي لا تطيق كلاما ولا خصاما، كل هؤلاء لم يشغل هذا الوحش عن اغتصاب خاتم من الذهب من يد الموت لينعم به في الدنيا التي تخليها له امرأته أو قريبته.
ينبش اللصوص القبور فيأخذون ما على الأموات من أكفان، وساء ذلك فعلا وشنع! ولكن فعل هذا الرجل أسوأ وأشنع وأوغل في دناءة النفس ولؤمها، وأدل على موت القلب وجمود الشعور.
إن ذرة من المروءة والشهامة ترد الإنسان عن هذا الخزي وتصده عن هذا الجشع الدنيء، ولكن زالت الشهامة والمروءة كثيرهما وقليلهما في كثير من الناس.
السبت 2 محرم/14 أكتوبر
الأسفار أمس واليوم
أعد عدتي للسفر إلى باكستان، وأنتظر باخرة تحملني وأثقالي، وأجم فيها أياما قبل بلوغي كراچي حيث أتولى السفارة المصرية.
وتحدثت بالسفر على باخرة فسئلت مرات: لم لا تسافر على طائرة؟ وسئلت: كم يوما تمضيها بين الإسكندرية وكراچي؟ فقلت: زهاء عشرة أيام، فتعجب السائل مستكثرا قائلا: عشرة أيام! قلت: أجل؛ عشرة أيام، والبحر رهو في هذا الفصل، والسفر فيه ممتع وناهيك بالسفن في عصرنا راحة ومتاعا ورفاهية. إن من أماني رجل مثلي أن يخلو بنفسه عشرة أيام في سفر كهذا.
وفكرت في السفر في العصور الغابرة، كيف كان ركوب السفينة في بحر القلزم وبحر العرب إلى الهند، كم يمضي المسافر في هذه السفرة وكم يلقى من الريح والموج، وكم ينصب ويعنت في طعامه ونومه وجلوسه، وكم تلقى السفينة من الريح المخالفة فترسي حتى تواتيها ريح تسيرها؟! شتان بين سفرنا وسفر أسلافنا في البحر، وإن ذكرنا سفر البر فقسنا الإبل بالقطار والسيارة فأي مجال للفكر وأي عجب للمفكر في هذا القياس! إن الطائرة تطير من القاهرة إلى البصرة في ثلاث ساعات ونصف، ومن البصرة إلى كراچي أربع ونصف، فقد زويت للإنسان أرجاء الأرض وأمن الضلال والعناء ووفر له وقته، وصار السفر متاعا بعد أن كان قطعة من العذاب. ولكن كم فات الإنسان من رياضة النفس والجسم والتجاريب والمعرفة بهذا السفر القصير المرفه!
الأحد 3 محرم/15 أكتوبر
خطب الرسول
فرضت صلاة الجمعة في السنة الثانية من الهجرة، وكان الرسول صلوات الله عليه وسلامه، يخطب في كل جمعة خطبتين بينهما جلسة قصيرة، إلا في الأسفار.