ويتبين التجانس بين الأوزان في هذه الفنون بالجمع بينها بأن يغنى بالشعر ثم تزاد عليه الموسيقى ثم يساوق هذه الثلاثة حركات الرقص، فإن اختل واحد منها اختلت الأخرى إن سايرته في خلله، أو تخالفت وتنافرت إن لم تساير هذا الخلل.
ويمكن أن يزاد إلى هؤلاء الوزن في غير صوت ولا حركة، الوزن الذي يدرك في الصور الجميلة وكذلك الخلل الذي يكون في الصور القبيحة.
هذه الأوزان فيما أرى ترجع إلى تقسيم الزمان والمكان تقسيما ملائما، وتدرك بالفطرة لا العقل، والشعور لا الفكر، وهي مظاهر من النظم أو الوزن الذي قامت عليه هذه الخليقة في هذه السموات والأرض.
الثلاثاء 28 ذي الحجة/10 أكتوبر
الله والناس
الناس في ذكر الله مختلفون، منهم الغافلون الذين لا يذكرونه ليلا ولا نهارا، ولا يتقونه في صغيرة ولا كبيرة. وأولئك يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وهم المحجوبون.
وآخرون بين الذكر والغفلة، تضلهم أهواؤهم وتزين لهم منكراتهم ثم يذكرون فيندمون وينزعون إلى الخير ويستغفرون. وأولئك أكثر الناس، وكثير من هؤلاء يذكر فيفيق فيندم فما يزال بنفسه حتى يعد في الصالحين.
وجماعة في ذكر دائم، وتقى مستمر، ولكن تدرك أحدهم غفلة فيهفو، وتأخذه سنة فيغفو ثم يعود على نفسه باللوم، وعلى خطيئته بالندم والتوبة، فتكون الزلة وسيلة إلى علاج نفسه، وتقدمها في سبيل الخير. وأولئك هم التوابون، وإنهم لفي الدرجات العالية.
وآخرون مصطفون، هم في ذكر لا يفتر، ويقظة لا تدركها سنة، وهم في رقي دائم، وعروج مستمر، سائرون كل لمحة، عاملون للخير كل ساعة، قد خلصت سرائرهم لله، وفنيت إرادتهم فيه، فهم فيه يفكرون، وبه يريدون، وله يعملون. وهم في هذه الدنيا كالنجوم والشمس والقمر يسيرون بقوانين الله على سنة الله، لا يتخلفون ولا يحيدون. وأولئك هداة الله في خلقه، وأمناؤه في عباده، ورسله إلى الناس.
هؤلاء هم النبيون والصديقون والمقربون، وقليل ما هم.
الأربعاء 29 ذي الحجة/11 أكتوبر
مرتب الموظف ثمنه
هذا فلان في الدرجة الرابعة مرتبه في الشهر كذا، وهذا في الدرجة الثانية مرتبه كذا، وعلاوته كل سنتين كذا.
قد خطب فلان إلى فلان ابنته وهذا الخاطب في الدرجة الخامسة مرتبه كذا، وينتظر أن يرقى إلى الرابعة قريبا.
كيف يتطاول فلان على فلان وهو في الدرجة السادسة، وفلان هذا في الدرجة الرابعة؟ هم درجات عند الناس على قدر درجات الوظائف وعلى قدر مرتب كل درجة.
إن كان قدر الإنسان على قدر درجته، والدرجة مالية لها مبدأ ونهاية، فقد قدر الإنسان بمقدار ما يوظف له من المال، فماذا يفرق بين هذا وبين الثمن في تقويم المتاع والأنعام؟ فلان درجته في المال كذا فهو أكبر من فلان، وهذ الحصان ثمنه كذا فهو أغلى من ذاك الحصان، ولا أود أن أتجاوز الحصان إلى غيره.
قيل قديما: قيمة كل امرئ ما يحسنه، واليوم قيمة كل امرئ ما يقبضه.
إن المال غاد ورائح ومكسوب ومبذول، ورب تاجر أو صانع يربح في شهر مالا يناله موظف في سنة بل سنوات. وليس مال الوظيفة إلا بلاغا يفرغ الإنسان به للعمل، وقيمته عمله، قيمته الإحسان في عمله، وتأدية الواجب على خير الوجوه.
إن الإنسان أعظم من أن يقوم بالمال، وإنما يقوم الناس بالأعمال.
الخميس 30 ذي الحجة/12 أكتوبر
مكتب مهيأ
لي مكتب في خزانة كتبي أحرص على أن تنظم الأوراق عليه وترتب، ويضيق صدري إن تكدست عليه أوراق أو كتب أو وضعت على غير نظام، ولا أنتفع به حتى يكون كما أشاء. وأعود إلى داري خلال أسفاري المتوالية، فأقول: إن الوقت لا يتسع للعمل على المكتب، ولا أفرغ لتهيئته، وأخدع نفسي بأن إقامتي قصيرة وقد جئت من سفر ناويا سفرا آخر، فما الحاجة إلى المكتب، وما جدوى إعداده؟
وتعرض الأعمال، وقلما يخلو مثلي من كتابة وقراءة - كذلك نشأنا، وكذلك أمضينا ما مضى من العمر - فأقعد في موضع آخر فأكتب أو أقرأ. ولكني لا أتذكر الكتابة كثيرا، فإن تذكرتها لم أنشط لها نشاطي المعهود، وإن نشطت لم أستطع المضي فيها طويلا.