تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الظن أن يقر مجلس الوصاية التدويل ويضع الدستور له ثم يقترح على هيئة الأمم إنفاذه طوعا أو كرها.

ليت شعري ما جدوى هيئة الأمم إن كان حكمها لا يجري إلا على من يقبله؟! وما جدوى التحكيم إن لم ينفذ رأي المحكمين على الخصوم راضين أو كارهين؟!

إن الحقيقة التي وراء هذا القول؛ الحقيقة التي تجلت في كارثة فلسطين من أولها إلى آخرها، أن هيئة الأمم لا تكره اليهود على شيء، فقد ألزمت العرب الهدنة ثم تركت اليهود يبغتون العرب ويستولون على البلاد، لم تصدهم ولم تقاتلهم، بل لم تنهرهم ولم تغلظ لهم القول.

وقتل اليهود وسط الأمم فما أصابهم سيئات ما عملوا، وكم خالفوا من قرار للأمم فربحوا ولم يخسروا.

ألا إن هيئة الأمم لا تجدي نفعا ولا تمضي أمرا، وإن أنصفت العالم كله لا تنصف العرب. أأقول: إنها وراثة حقد وعداوة منذ فتح العرب أوروبا، ومنذ انتصر العرب في الحروب الصليبية، ومنذ اصطدم العرب والباغون على ديارهم من أهل أوروبا؛ لم يغير منهما تغير الزمان وتبدل الأحوال؟ أم أقول: احتقار العرب بما تفرقوا وتخلفوا؟ أم ماذا أقول؟

الخميس 29 شعبان/15 يونيو

رمضان

صوم رمضان مشقة، ولكن لا بد منها لرياضة النفس على احتمال المشاق. وهو حرمان، ولكنه عظيم الأثر في توطين الإنسان على ما يكره. وهو تغيير في أسلوب العيش، ولكنه يجنب الناس حينا هذه المعيشة المتشابهة التي يصبح الإنسان فيها ويمسي على نسق واحد.

وهو تمكين للجسم من أن يفرغ لهضم طعامه قبل أن يشغل بطعام آخر، وقل أن يظفر بهذه الفرصة طول العام.

قل أن يحمل الإنسان نفسه على ما تكره إلا في رمضان، وقل أن يحرم الإنسان نفسه ما تشتهي حينا إلا في رمضان. وقل أن يغير الإنسان أسلوب عيشه ويخلص من هذه الدائرة المفرغة إلا في رمضان. وقليل منا من يعرف من دهره ساعات السحر ونسمات الفجر طوال عامه إلا في ليالي رمضان. وقل أن يتزاور الناس ويتهادوا ويتراحموا ويفرحوا كما يفعلون في هذا الشهر المبارك.

فينا من لا يصوم رمضان؛ لأنه لا يبالي بالدين، ولا يعنى برياضة النفس، وهو في شغل شاغل من لذاته ليل نهار. وفينا من لا يصوم رمضان؛ إشفاقا من مشقته وعجزا عن صبر نفسه على مكروهها ساعات. وفينا من يصوم رمضان ولا يصل بين صومه ونفسه، بل يكون في الصوم أشد شراسة وأكثر سلاطة.

إنما نريد صوامين يروضون أجسامهم وأنفسهم؛ ويطبون لأبدانهم وأرواحهم طوال الشهر بالحمية والعفة والمودة والمرحمة والذكر والفكر؛ فيخرجون من الشهر كما يخرج المريض من المستشفى وقد أبل واسترد صحته.

نريد صوامين هم من رمضان في عبادة دائمة وصلاح مستمر ورقي متصل، وهم في سائر العام في أثر رمضان وذكراه، وهداه وتقواه.

الجمعة 1 رمضان/16 يونيو

الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم

دارت الحرب في نهاوند بين المسلمين والفرس، وكانت حربا طاحنة ختمت المعارك الكبيرة من فتح إيران. وكان عمر بن الخطاب يخرج من المدينة في طريق العراق يرجو أن يلقى بشيرا بالفتح، يخرج كل يوم يسائل القادمين ماذا سمعوا عن المسلمين في فارس. وجاء البشير السائب مولى ثقيف، فسأله عمر في لهفة: ما وراءك يا سائب؟ فقال: خير يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك بأعظم فتح، واستشهد النعمان بن مقرن. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال البشير: ثم بكى عمر فنشج حتى إني لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده.

هال عمر الخبر إذ كان النعمان قائد الجند، وكان من خيار المسلمين، وآدته المصيبة فبكى ونشج.

فلما رأى الرجل ما دها أمير المؤمنين أراد أن يخفف عنه حر المصيبة ويهون وقعها، فقال: يا أمير المؤمنين، ما قتل بعده من رجل يعرف وجهه - يعني أن القتلى بعد النعمان من سواد الجند ليس فيهم قائد ولا زعيم معروف. فلم يشغل عمر بكاؤه على النعمان عن إجابة الرجل؛ عز على عمر أن يقال في المجاهدين: ما قتل منهم رجل يعرف وجهه.

الشوارد · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٢٤