الثلاثاء 23 جمادى الآخر/11 أبريل
| الشوارد
كل يقول: لي، وليس من يقول: علي!
تملأ الأرض صيحات المطالب، كل واحد يقول: حقي فأعطوني! وكل طائفة تقول: غبنت فزيدوني! وكل أمة تنادي: أنا أريد مالي فلا تلوموني!
ولا تسمع من يقول: هذا ليس لي وهذا حق غيري، ولا تجد من يقول: أخذت حقي فلا أستزيد، وفلان مغبون فهو أولى بالمزيد.
ذلكم بما تسلطت الشهوات وغلبت الجثمانيات، وانقلب الإنسان حيوانا لا يعف ولا يعدل، كل من اشتهى شيئا سعى إليه، وكل من رغب في أمر طمع فيه، والجسم لا يعترف إلا بلذاته، والهوى لا يبالي بغير نزواته.
فأيقظوا الأرواح وعلموها العدل والإباء والكرامة، وأن في الحياة أمرا وراء البدن، وأن في اللذات لذة غير جثمانية، وأن للناس مطالب روحانية. بصروا الناس بالحياة الكريمة لتسمعوا من يقول: هذا أستطيعه ولا أفعله، وهذا أعطاه ولا أقبله، وهذا ينفعني ولكن أنفر منه.
حينئذ يقول الإنسان: واجبي، قبل أن يقول: حقي. ويقول: حقي وحق غيري، ويقول: هذا لغيري، كما يقول: هذا لي. ويومئذ يجمع الناس الحق بعد أن باعد بينهم الباطل، ويؤلفهم العدل بعد أن فرقتهم الأهواء، وتلفهم المحبة بعد أن نفرتهم البغضاء.
الأربعاء 24 جمادى الآخر/12 أبريل
الحق يجمع والهوى يفرق
الحق في كل أمر محدود، والباطل كثرة لا تحد. والعدل في كل قضية واحد، والهوى نزعات لا تعد.
فإذا أخذ الناس بالحق اجتمعوا وإذا آثروا الباطل تفرقوا، وإذا قضوا بالعدل ائتلفوا، وإذا مالوا إلى الهوى تباغضوا.
وإن ما تسمع وترى من خصام وافتراق، وبغض وشقاق، وجدال ومراء، وتنافر وعداء، كل أولئك مما آثر الناس الباطل، ومالوا مع الهوى.
ودواء هذا الداء أن يعرف الناس الحق ويبصروا به ويرغبوا فيه حتى يحبوه فيؤثروه، وأن يعلموا العدل ويمرنوا عليه حتى يطيعوه، وأن يكشف لهم الباطل في شناعاته والجور في سيئاته، ويبين لهم كيف شقي بهما الناس وخرب بهما العمران.
فسروا للناس هاتين الآيتين بالقول والعمل:
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون .
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله .
الخميس 25 جمادى الآخر/13 أبريل
شقاء المرأة في هذه المدنية
يحسب بعض الناس أن المرأة سعدت بهذه الحضارة التي تعيش فيها، وحليت بهذه الزينات التي تحملها. ولا أنكر أنها نالت أشياء من الحرية والمرح واللهو، وأنها خلصت من كثير من العادات السيئة والمظالم البينة؛ ولكني أرى أنها نعمت بهذه الحضارة من وجه وشقيت من وجوه كثيرة، وحسبي في هذه الكلمة أن أعرض لوجه واحد:
كانت المرأة تملك الرجال بتصونها وحيائها، وكانت لا تكشف إلا عن وجهها، ولا يكون هذا إلا في مجامع ضيقة، وكان لها زينة يسيرة هي أن تقرب وجهها من الجمال الطبيعي بصنعة يخيل إلى الرائي أنها طبيعية.
فسفرت المرأة عن وجهها وغير وجهها، وغشيت المجامع كلها، وتزينت على وجوه من الزينة لا يحصيها العد ولا تحدها محاكاة الفطرة الجميلة، فصارت في معرض ينظر فيه إلى جسمها كله، وألزمت أن تنافس في ضروب من الزينة يضيق عنها الوقت والمال، فهي في شغل دائم بالتزين في المجلس والطريق، وهي بعد العناء في جمع المال وإنفاقه في الزينة وإضاعة الوقت فيها، والإشفاق من أن تبور في المعارض الدائمة التي تغشاها في الدور والمجامع والملاهي والطرق، هي بعد هذا كله تطلب السعادة فلا تجدها، وتبعد عن الفطرة ولا تقرب منها، وتتبذل فلا تسيطر على الرجال سيطرتها الأولى، وتفقد كرامتها من حيث تحسب أنها تحفظها.
ثم إذا كبرت المرأة لم تنفعها الزينات ولم تظفر بوقار الكبر، فهي في قبحين من الكبر والصناعة، وفي غمين من التزين والبوار.