تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتبع الخيال رنين الأجراس فذكرت جرس القافلة، الجرس الذي يؤذن بالرحيل وتوالت أبيات من الشعر الفارسي والأردي كأنها أصداء هذه الأجراس من الغيب، من وراء العصور والأقطار.

تذكرت قول حافظ الشيرازي كما ترجمته:

وكيف يطيب العيش في منزل المنى

وأجراس هذا الركب للبين تقرع

8

وقول الشيخ سعدي كما ترجمته:

ما عن المنزل عندي خبر

غير أن أسمع صوت الجرس

9

وذكرت أن الشاعر الفيلسوف إقبالا سمى أول دواوينه بانگ درا «صلصلة الجرس».

قلت: ما أجمله منبع شعر هذا الجرس الذي يؤذن بالرحيل ويهدي الركب إلى السبيل! ما أشبه الناس في هذه الحياة بالقافلة، منزلها بعيد، وسيرها وئيد، يسير بها الأمل، ويثبتها الصبر، وينبهها الجرس، ويحثها الحداء.

وجهدت أن أذكر بيتا في الشعر العربي يذكر فيه جرس القافلة فلم أذكر، أكثر شعراؤنا من ذكر الحادي ولم يذكروا الجرس، وما أحسب القوافل العربية اتخذت في المهامه أجراسا.

والحداء له في الشعر صدى، وقد ذكرت قول المعري على لسان حادي الحاج: دنياك تحدو بالمسافر والمقيم جمالها ... إلخ، وذكرت نغمة حادي الحجاز في شعر إقبال وقد ترجمتها في «رسالة المشرق»، ولم تتسع الصفحة لاتباع الحداء على صفحات الصحراء، فأمسكت القلم.

الخميس 17 ربيع الثاني/25 يناير

كل يطلب حقه

طلب علماء الأزهر زيادة رواتبهم وتغيير قواعدها ليساووا غيرهم من المدرسين، وتكلموا في الحق والكرامة، وقال قائل منهم فيما قرأت في الصحف: إن لم تجب مطالب الأزهريين أهدرت كرامة الإنسانية، وقد امتنع العلماء عن التدريس حتى تجاب المطالب، فذكرت اختلاف الأحوال والأزمنة وقول علماء السلف حينما أنشئت في البلاد الإسلامية مدارس يأوي إليها الطلاب وتجري عليهم الأرزاق، فقد رثى علماؤنا حينئذ للعلم وأشفقوا أن يأتي طلابه إلى المدارس ابتغاء الرزق.

ثم ذكرت سلسلة من المطالب في بلادنا: مطالب المهندسين والمعلمين والشرطة، كل يطلب حقه ويلح على الحكومة أن تزيد راتبه. وذكرت أساتذة الجامعة يأتمرون ويتحمسون ويطلبون مساواتهم بالقضاة أو يكفون عن التعليم، قلت: إنها والله بلية وراءها بلايا، وإن البصير ليرى فيها أمورا. إن الجماعة على اختلاف طوائفها ترى المال همها الأول، فهي لا تطلب إصلاحا ولا تسعى إلى مكرمة تتحمس لها تحمسها للمال. وما سمعنا أن طائفة من موظفي الأمة اجتمعت فنظرت فخطت خطة لمصلحة ثم ألحت فيها وكفت عن العمل من أجلها، والثاني أن حكوماتنا مدت للناس في المطامع، وضربت لهم المثل السوءى في محاباة الوحدان والجماعات، فانطلقت النفوس من عقالها ومات الحياء، وتوهم الموظفون أنهم في سوق أسعد أهلها من كان أكثر ربحا، وكيف لا يكونون في سوق وقد وضعت الحكومة أسعارا للدرجات العلمية؟ وكم رأيت موظفين لبثوا في الوظائف خمسة عشر عاما فأكثر ثم جاءوا إلى الجامعة يطلبون العلم حينما وضعت أسعار الشهادات. وقد قال خبير إنكليزي كلفته حكومتنا أخيرا أن ينظر في نظام الموظفين: إنهم أكثر مما يقتضي العمل، وقال: إن حكومة تنفق ثلث دخلها على موظفيها لا تستطيع الاضطلاع بالخطط العظيمة لإصلاح البلاد.

كل يقول: حقي، فهل من يقول: واجبي؟

الجمعة 18 ربيع الثاني/26 يناير

قرطبة

أذعت اليوم من كراچي كلمة عن مدينة قرطبة، فيها أنه كان في الربض الشرقي من هذه المدينة العظيمة مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي. فإن يكن المؤرخ الذي ذكر هذا بالغ وكان عدد النساء ثلث هذا العدد فهو أمر له دلالته، فلا يختص في مدينة خمسون امرأة بكتابة المصاحف بالخط الكوفي إلا أن يكون الكاتبات من النساء عشرات الألوف، ولا يكون هذا العدد من الكواتب إلا في جماعة شاعت فيها الكتابة حتى عمت أو كادت. فإن خمسين كاتبة للمصاحف بالخط الكوفي هن بعض من يكتبن المصاحف، وأولئك خيار ممن يحسن الكتابة، ومن يحسن الكتابة خيار ممن يكتبن، ومن يكتبن قليل بالقياس إلى من يكتبون، فاطرد القياس وتأمل واعتبر.

الشوارد · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١١٢