أين مزج من سنا جوهرها
من عروق الكرم كاسي أملأ
حانات الفرنج
أمس في حانة الفرنجة وهنا
راعني قول ماجن ذي خلاعة
قال ليست كنيسة تغشاها
في دمى للغناء تبغي سماعه
إنها حانة الفرنج وفيها
كل ما ذمه البرية طاعة
قد وزنا الأعمال فيها بوزن
غير ما حسن الأنام اصطناعه
لا تزن وزن أمة ذات دين
رث ميزانهم فحاذر متاعه
كل قبح يزيد جاهك حسن
كل حسن يضر فهو شناعة
إن تفكرت فالحياة رياء
وبها الصدق قولة خداعة
إنما الصدق والوفاء حجاب
يحرم الساعي الغرير ارتفاعه
شيخنا قال: موهن كل صفر
بنضار وزيفن كل ساعة
ذاك سر الحياة لا تفشينه
تربحن في يديك كل بضاعة
| دقائق
بذراتنا ثورة تهدر
بأنفاسنا محشر مضمر
لقد أفصح الخضر في الظلمات
على حين صاحبه اسكندر:
عسير على الناس فهم الممات
وفهم الحياة لهم أعسر •••
حبة الدر تعرف البحر لكن
أي علم لها بدور الرحي؟ •••
يصر اليراع لإعواز لب
1
فليس لمرود كحل صرير •••
طفت بالبيت حاملا أصنامي
وأمام الأصنام «هو» قد جأرت
2
وفؤادي يسير حلف طلاب
في طريق كشعرة قد مررت •••
يقول ورد روض:
عيش الربيع أحلى
وصبح مرج عندي
من الجميع أحلى
من قبل جور كف
لزينة تقطفني
موت بحضن نصر
من الفروع أحلى
3 •••
يا صاحبي ذاك قول
على الحياة دليل
النوم موت خفيف
والموت نوم ثقيل •••
إن تكن للعفو لست بأهل
فإلى الأعداء فاقصد بحقدك
لا تقم في الصدر مصنع حقد
لا تصب الخل في كاس شهدك
دع التسآل عن طبع دقيق
يشق الشعر في الليل البهيم
لشاعرنا زجاجات رقاق
تحطمهن أنفاس النسيم
أيبغي وصف حرب في حياة «حباب ضاع في لج عظيم؟» •••
امض في الدنيا كنهر في جبال
واعرف الأغوار فيها والنجودا
أو مثال السيل فاجرف كل شيء
لا تباليه هبوطا أو صعودا •••
قطوف الورد! لا تجزع لشوك
كذاك الشوك من نفس الربيع •••
لا تبتغ الخضاب والتلوينا
ليس الشباب سرقة السنينا •••
رأيت العشق يأبى كل وغد
كميت الطير تأباه الصقور •••
يبور الشعر في الأسواق نقدا
فلا خبز بفضة ياسمين
| اللمعات
بدأت هذه المنظومة حينما قرأت منظومتي إقبال «أسرار خودي» و«رموز بي خودي» ونشرت الأبيات الأولى منها، ثم شغلت عن إتمامها فلبثت أعاود النظم فيها حينا بعد حين.
فلما أشرفت ترجمة پيام مشرق على النهاية، عزمت على إتمام المنظومة فتمت بحمد الله.
وهي مهداة إلى الشاعر العظيم إقبال اعترافا بفضله.
أيها الليل، إليك المفزع
كم حنت منك علينا أضلع؟
كم خفينا في غيابات الدجى
وملأنا الليل هما وشجا؟
كم ألفت الليل أما حانية
وكرهت النجم عينا رانية؟
كم ألفت الليل وحشا راقبا
من شعاع الصبح سهما صائبا
كم بثثت الليل سرا كتما
فوعاه الليل عني ألما؟
كانت الظلماء لوحا للألم
خطت الآهات فيه كالقلم!
كان لي الليل مدادا فنفد
وطغى قلبي بمد بعد مد
جاشت الظلماء موجا بعد موج
وغزالي الوجد فوجا بعد فوج
فنيت هذي، وهذا زاخر
وانجلت هذي، وهذا غامر
خلتني في الليل جمرا سعرا
ونجوم الليل منه شررا
إرة قد وقدت في أضلعي
1
وسحاب هاطل من أدمعي؟ •••
كنت سطرا لم يفسره أحد
خطه في غيبه الله الصمد
في ضميري كل معنى منبهم
حرت في الإعراب عنه بالكلم
قد ثوى العالم في قلبي وما
خط شيء فيه إلا الحرف «ما»
2
جل قلبي أن أراه جام جم
3
صور الأقطار فيه تنتظم
إنما الأقطار في قلبي العميد
أحرف أوحت إلى معنى بعيد
رب معنى في ضمير يكتم
ليس في الناس عليه محرم
4
وقلوب رمسها هذي الصدور
أتراني مسمعا من في القبور؟
5
أنا في الناس فصيح أعجم
ناطق فيهم، كأني أبكم!
صمت الآذان عن هذا البيان
ضاع في ضوضائهم هذا الأذان!
كيف يجدي القوم هذا النغم
وعلى الآذان ران الصمم؟
كيف يجدي القدح في هذا الحجر؟
قلبه رخو خلي من شرر
إن خفق القلب قدح مجهد
بعضه يورى، وبعض يصلد
كيف يجدي النفخ في هذا الرماد
طفئ الجمر ولم تور الزناد! •••
يخرق الليل شعاع يخفق
ثم يلتف عليه الغسق
كمنار البحر يخفى ويلوح
فيه بين الغيب والومض وضوح