تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في اليوم الحادي والعشرين من أبريل (سنة 1938) والساعة خمس من الصباح، في مدينة لاهور مات رجل كان على هذه الأرض عالما روحيا، يحاول أن ينشئ الناس نشأة أخرى، ويسن لهم في الحياة سنة جديدة، وسكن فكر جوال جمع ما شاءت له قدرته من معارف الشرق والغرب، ثم نقدها غير مستأسر لما يؤثر من مذاهب الفلاسفة، ولا مستكين لما يروى من أقوال العظماء، ووقف قلب كبير كان يحاول أن يصوغ الأمة الإسلامية من كل ما وعى التاريخ من مآثر الأبطال وأعمال العظماء، وقرت نفس حرة لا يحدها زمان ولا مكان، ولا يأسرها ماض ولا حاضر، فهي طليقة بين الأزل والأبد، خفاقة في ملكوت الله الذي لا يحد.

مات محمد إقبال الفيلسوف الشاعر، الذي وهب عقله وقلبه للمسلمين وللبشر جميعا - الرجل الذي كان يخيل إلي وأنا في نشوة شعره أنه أعظم من أن يموت، وأكبر من أن يناله حتى هذا الفناء الجثماني - فاضت روح الرجل الكبير المحبوب في داره بلاهور ورأسه في حجر خادمه القديم «ألهي بخش» وهو يقول: إني لا أرهب الموت، أنا مسلم أستقبل المنية راضيا مسرورا.

كنت أقرأ كلام إقبال في الحياة والموت، وأرى استهانته بالحمام واستهزاءه بالذين يرهبونه. وما كان هذا خدعة الخيال، ولا زخرف الشعر؛ فقد صدق إقبال دعوته في نفسه حين لقي الموت باسما راضيا، جد المرض بإقبال، وكان يقترب إلى الموت وهو متقد الفكر، قوي القلب، يصوغ عقله كلمات يوقظ بها النفوس النائمة، وينثر قلبه شرارا يشعل به القلوب الهامدة. وكان يعنى بنظم كتابه «أرمغان حجاز»: هدية الحجاز. وكان قلب الشاعر يهفو إلى الحجاز، وقد تمنى في خاتمة كتابه «رموز بي خودي» أن يموت في الحجاز، ومما نظمه في أشهره الأخيرة:

آية المؤمن أن يلقى الردى

باسم الثغر سرورا ورضا

وقد أنشد هذين البيتين قبل الموت بعشر دقائق، وهما مما أنشأه أخيرا:

نغمات مضين لي، هل تعود

ونسيم من الحجاز سعيد

آذنت عيشتي بوشك رحيل

هل لعلم الأسرار قلب جديد

ولما قدمت الهند سنة 1947م، قبل قيام دولة باكستان بأربعة أشهر، سافرت من دهلي إلى لاهور لزيارة ضريح إقبال وداره، ورؤية أولاده، واتفق أن كان ذهابي إلى لاهور قبل ذكرى وفاته بأيام قليلة. وكان احتفال بي وبوفد إيراني رئيسه الصديق علي أصغر حكمت عند ضريح إقبال، وألقيت هناك كلمة عربية تنشر في رحلاتي الثانية، وأنشأت في دهلي أبياتا عربية نقشت في لوح من الرخام، وحملتها إلى لاهور لتوضع عند قبر إقبال. وقد وعد أوصياء إقبال أن يضعوها في جدار حجرة الضريح حين يتم بناؤها وهذه هي الأبيات:

عربي يهدي لروضك زهرا

ذا فخار بروضه واعتزاز

كلمات تضمنت كل معنى

من ديار الإسلام في إيجاز

بلسان القرآن خطت ففيها

نفحات التنزيل والإعجاز

فاقبلنها على ضآلة قدري

فهي في الحق «أرمغان الحجاز»

ترجمة شعر إقبال

عنيت بترجمة شعر إقبال نظما ونثرا، وبنشر ما أترجم منه منذ قرأت هذا الشعر، وحرصت على تعريف قراء العربية بهذا الشاعر العظيم والفيلسوف المسلم. ترجمت من «پيام مشرق» و«أسرار خودي» «ورموز بي خودي» «وبانك درا».

ولما قرأت قصته المنظومة «جاويد نامه» بدا لي أن أترجمها كلها فلم أفرغ، لها ولبثت أرتقب فرصة لتحقيق هذه الأمنية.

وبينما أنا في الحجاز وزيرا لمصر في المملكة العربية السعودية، جاءتني رسالة من الدكتور اشتياق حسين قريشي - أحد وزراء باكستان اليوم - يقترح علي ترجمة أحد دواوين إقبال، وكنت عرفت معالي الوزير في دهلي قبيل قيام باكستان فتزاورنا وائتلفنا، وقد أجبت رسالته بأني على نية أن أترجم جاويد نامه.

ثم قدمت باكستان سفيرا، فتحدث الناس عني وعن ترجمتي شعر إقبال، وأحاطني وحي إقبال في بلاده، فمضيت في ترجمة جاويد نامه. ثم بدا لي أن هذه القصة المنظومة الطويلة ليست أولى دواوين إقبال بأن تعرف به قراء العربية. وبدا لي أن أبدأ بديوانه پيام مشرق؛ لأن به ألوانا من الرباعيات والقصائد والقطع في موضوعات شتى وأساليب مختلفة، وكأنما كان هذا وحيا، فأخذت أترجم الرباعيات، وهي القسم الأول من الديوان، فتيسر لي النظم، فأقبلت عليه فازداد يسرا، فانشرح صدري وأسرع قلمي فيه، وصارت الترجمة سرورا وأنسا لا يصد عنها شغل ولا تعب. وضعت الكتاب في حجرة النوم في متناول اليد من مرقدي، فكنت أترجم قبل النوم وحين أستيقظ صبحا، وقل أن يمضي يوم دون ترجمة، وكنت إذا انصرفت إلى عمل آخر علق بنفسي البيت والبيتان من شعر إقبال، فلا أستريح حتى أترجم ما علق بنفسي، وكنت أحيانا يدركني التعب فأصرف نفسي عن الترجمة فلا تنصرف، فأحتال حتى أصرفها عنها لأستريح.

پيام مشرق · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

پيام مشرقص ٢