تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرهما ابن اللبانة الشاعر في أحاديثه عن بؤس المعتمد وشقائه، حدث أنه زار المعتمد في أغمات، فلما أزمع الرحيل أرسل إليه المعتمد هدية مع ولده شرف الدولة، وقال ابن اللبانة:

وهذا من بنيه أحسن الناس سمتا، وأكثرهم صمتا، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في اقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين.

وفخر الدولة الذي رآه الشاعر في دكان صائغ ينفخ في الفحم فتقطع قلبه كمدا وصعدت نفسه زفرات في الأبيات التي قدمتها في فصل «المعتمد في أغمات»، ومنها:

للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى

هول رأيتك فيه تنفخ الفحما

وددت إذ نظرت عيني إليك به

لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى (1-9) بثينة بنت المعتمد

قال صاحب نفح الطيب وهو يذكر أديبات الأندلس:

ومنهن بثينة بنت المعتمد بن عباد، وأمها الرميكية السابقة.

وكانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر، ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سبي، ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس والمغرب.

وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية ووهبها لابنه، فنظر من شأنها وهيئت له، فلما أراد الدخول بها امتنعت وأظهرت نسبها، وقالت: لا أحل لك إلا بعقد نكاح إن رضي أبي بذلك. وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها وانتظار جوابه، فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما صورته:

اسمع كلامي واستمع لمقالتي

فهي السلوك بدت من الأجياد

لا تنكروا أني سبيت وأنني

بنت لملك من بني عباد

ملك عظيم قد تولى عصره

وكذا الزمان يؤول للإفساد

لما أراد الله فرقة شملنا

وأذاقنا طعم الأسى من زاد

قام النفاق على أبي في ملكه

فدنا الفراق ولم يكن بمراد

فخرجت هاربة فحازني امرؤ

لم يأت في أفعاله بسداد

إذ باعني بيع العبيد فضمني

من صانني إلا من الأنكاد

وأرادني لنكاح نجل طاهر

حسن الخلائق من بني الأنجاد

ومضى إليك يسوم رأيك في الرضا

ولأنت تنظر في طريق رشادي

فعساك يا أبتي تعرفني به

إن كان ممن يرتجى لوداد

وعسى رميكية الملوك بفضلها

تدعو لنا بالخير والإسعاد

فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات، سر هو وأمها بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها ؛ إذ علما مآل أمرها وجبر كسرها، إذ ذاك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب زين، وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبي المذكور وكتب إليها في أثناء كتابه ما يدل على حسن صبره المشكور:

بنيتي كوني به برة

فقد قضى الدهر بإسعاد (1-10) أولاد آخرون

وقدمنا أن بنات المعتمد دخلن عليه يوم عيد في أغمات وهن في أطمار يكسوهن الشحوب والاكتئاب والذل والحزن، فأنشأ أبياته التي أولها:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

فقد كان له وهو في معتقله بنات كبار يغزلن للناس.

ويقول المعتمد في الأبيات التي أنشأها حين دخل عليه ابنه أبو هاشم وهو مغلول مكبل، يقول لقيده:

ارحم طفيلا طائشا لبه

لم يخش أن يأتيك مسترحما

وارحم أخيات له مثله

جرعتهن السم والعلقما

منهن من يفهم شيئا فقد

خفنا عليه للبكاء العمى

والغير لا يفهم شيئا فما

يفتح إلا لرضاع فما

فهذا يدل على أنه كان له أيام المحنة أطفال ترعرعوا، وأطفال لا يزالون رضعا.

| وفاة المعتمد على الله وقبره

قال الفتح بن خاقان في قلائد العقيان:

ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات وخلده يتردد بين النكبات والعثرات ونفسه تتقسم بالأشجان والحسرات إلى أن شفته منيته وجاءته بها أمنيته، فدفن بأغمات وأريح من تلك الأزمات.

وعطلت المآثر من حلالها

وأفرزت المفاخر من علاها

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٣٨